المرصد

من راديو حبشي.. إلى القنوات الشعبية

تذكر القنوات الشعبية، على «يوتيوب»، بتجربة «الإذاعات الأهلية»، التي انتشرت في عشرينات القرن الماضي، قبل ظهور الراديو اللاسلكي، حيث تشبهها في بساطتها وعفويتها وحيويتها، وعالمها المنفلت بلا ضابط أو رابط. ومن بين الإذاعات الأهلية، تذكر كتب الإعلام الكلاسيكية قصة «راديو حبشي» أقدم هذه الإذاعات، والتي أنشأها جرجس حبشي، بعد أن اشترى معداتها من روبابيكيا «وكالة البلح»، التي لاتزال موجودة وسط القاهرة، وشاركه عليها شقيق الفنان الراحل يوسف وهبي، وكان أطرف ما فيها، أن من حقك أن تستمع إلى من تريد مباشرة، بمن في ذلك أسمهان، وأم كلثوم، إذا دفعت اشتراكاً قيمته 10 قروش في الشهر. وكانت هذه الإذاعات تعبر عن الميول والاهتمامات البسيطة المباشرة للناس، بعيداً عن صراعات السياسة الكبرى، ولعبة الأمم، كما تعبر عن «خناقاتهم» و«شطحاتهم»، وحتى «رسائلهم الغرامية»، وكانت المتعة التي لا تقدر بمال، حينما يرمز الناس في رسائلهم وأغانيهم لحكايات تخصهم، يضعونها بين السطور. ويكمن الفرق بين «الإذاعات الأهلية» و«قنوات يوتيوب الأهلية»، حالياً، في مستوى التطور الاجتماعي للناس، كما أن الأخيرة ولدت في زمن تسوده العولمة والتواصل، لذا توسعت ظاهرة قنوات «يوتيوب»، بشكل لم يتم توقعه. وترى الخبيرة الإعلامية هالة أبوشامة، في دراسة بموقع «إعلام أورج» المتخصص، أنه «مع التطور التكنولوجي، وانتشار الهواتف الذكية، لم يعد مجال قنوات يوتيوب قاصراً على (الإنفلونسرز) المحترفين، بل انضمت إليهم ربات البيوت وأصحاب ما يسمى قنوات المصاطب، وملاك يوتيوبات الأقارب، وما شابه». وترصد أبوشامة أن الناجحين والناجحات من أصحاب قنوات «يوتيوب»، تخطفتهم الشاشات التلفزيونية الكبرى، بعد أن أدركهم النجاح المميز، مثل فاطمة أبوحاتي، التي وصل عدد مشتركيها على قناة «أبوحاتي» إلى مليونَيْ شخص، فاختطفتها قناة «بانوراما»، ومروة الشافعي التي وصل عدد مشتركيها إلى 900 ألف فاختطفتها قناة «النهار»، وصدفة جاد التي بلغ عدد مشتركيها مليون شخص فتعاقدت معها قناة «تن». وعلى مستوى عالمي، لم تعد تلك القنوات على صغر حجمها تدر الشيء القليل، فطبقاً لقائمة «فوربس» 2018، حصد صاحب قناة «لوغان بول» 14

مليون دولار خلال عام واحد، وقناة «بيود بي» 15 مليون دولار، وقناة جاكسيستي 16 مليون دولار، وفانوسيجيمنغ 17 مليون دولار.

وعلى شاكلة ما حدث مع الإذاعات الأهلية، كأنما التاريخ يعيد نفسه، يمثل الانفلات الأمني والاجتماعي لهذه القنوات الخطر الحقيقي على هذه المنصات. فمثلما لقيت «إذاعة حبشي» حتفها، عبر استغلال مستمعة مجهولة طلبت أغنية عبدالوهاب «الجو رايق» نظير دفع خمسين جنيهاً، وكانت إشارة سرية لعصابة مخدرات، تواجه هذه القنوات، اختباراً مشابهاً، بعد أن انتشرت ما تسمى قنوات كسر الروتين، والتوك توك، التي تبني خطة مشاهدتها على الخروج على المألوف، وكل ما هو بعيد عن قواعد المجتمع. شاءت أم أبت هذه القنوات، سيكون الحل السهل للدول والمجتمعات، هو تأطير هذه القنوات الحرة الطليقة، والأكثر صدقاً، وتعبيراً عن الناس البسيطة من كل القنوات الرسمية، رغم كل الهنات. لكنه قدر الإنسان الذي، دوماً وتكراراً، يخلق قيده بنفسه.

طباعة