المرصد

    «الإنفلونسر»

    حمل لنا الإعلام البديل وظيفة خرافية تدخل بها عالم المليونيرات، بلا شهادة أو صنعة أو خبرة، وبمجرد النقر على «اللاب توب» المتهالك الخاص بك، اسمها «فيسبوك إنفلونسر».

    المصطلح سهل ممتنع، ويضم أشتاتاً متناقضة من الناس، منهم معارضون سياسيون، ولاعبون معتزلون، وعارضات أزياء، وطباخات أكل شعبي، وممثلون من منازلهم، نجحوا في انتزاع اعتراف معارفهم والجيران، وموهوبون أو موهومون بالطرب. المهم في كل هذا أن يكون لك متابعون على صفحتك يزيدون على 10 آلاف شخص عبر تقديمك شيئاً مختلفاً.

    في عالم السياسة، أصبح «الإنفلونسرز» نجوم الحدث بامتياز، فالناس ملت الخطباء التقليديين، وقد رأينا في موجات «الربيع العربي» العشرات من هؤلاء الذين بدأوا افتراضياً.. وانتهوا افتراضاً، لكنهم لم يرحلوا قبل أن يحملوا معهم رأسمالاً فعلياً يقدر بالملايين، وآخر رمزياً مجسداً في شهرة وإعجاب مئات الآلاف من المتابعين.

    في الثورة السودانية، كان الأمر أكثر تبلوراً، فقد اقترنت الثورة بـ«اللايفات»، وهي الفيديوهات المصورة لأشخاص في غرفهم أو في الميدان، وعرفنا عثمان ذو النون، المجهول تقريباً ليلة انطلاق الثورة، والذي لا ينتمي لقوة سياسية، والذي تحيط به عشرات الانتقادات، ومع ذلك تخطت متابعته قادة سياسيين تقليديين سودانيين لهم أسماؤهم، بعضهم يحفر تاريخه منذ الاستقلال، ورأينا الأيقونة آلاء صلاح، صاحبة الأغنية الواحدة «حبوبتي كنداكة»، التي وصلت بها وبرسالة الثورة الإعلامية إلى كل أرجاء الأرض، ورأينا «إنفلونسرز» سودانيين يقدمون «يوتيوبات» ثورية لطيفة بالإنجليزية والفرنسية تسحر الأفئدة، وطبعاً رأينا «إنفلونسرز» في الطرف المقابل، طرف نظام البشير، من الدجاج الإلكتروني، أو ما يطلق عليه في السودان مصطلح «الجداد».

    أخيراً، وصل «الجبروت» بـ«إنفلونسر» بريطانية، تدعى دربي، حسب قصة تصدرت صفحات «الإندبندنت» البريطانية قبل أيام، بأن طلبت من مدير فندق فاخر في دبلن أن تقيم هي وصديق لها مجاناً في الفندق لمدة خمسة أيام، باعتبار أن خبر إقامتها ستنشره على صفحتها، التي يتابعها 187 ألف شخص، بما يمثل من وجهة نظرها إعلاناً للفندق، فرفض مدير الفندق العرض، قائلاً: «وأنا يتابعني الآلاف على صفحتي، ولا أطلب خدمات مجانية)، فما كان من «الإنفلونسر» البريطانية إلا أنها قادت حملة مع زملائها من «الإنفلونسرز» الآخرين ضد الفندق، حيث وصفوه بأنه مقزز ومزعج، وحاصروه بالتقييمات السلبية، فرد عليهم مدير الفندق بأن ما فعلوه «بلطجة»، وأصدر قراراً بمنع جميع «الإنفلونسرز» من دخول فندقه.

    ولم تتابع الصحافة البريطانية القصة، لكن الأرجح أن مدير فندق دبلن قد تراجع أو فقد وظيفته، فقد فرض «اقتصاد الإنفلونسرز» نفسه، والذي يتوقع «إنفلونسر ماركيتنغ ريبورت» وصوله إلى 10 مليارات دولار عام 2022، بقوة على المستويين الإعلامي والإعلاني، وأصبحت بلدان كثيرة تشهد قوائم «أفضل 30 إنفلونسرز في العام»، وشهدت مصر مثلاً صدور قائمة بها لعام 2018، سميت قائمة دولفينوس، تصدرها أحمد الغندور الشهير بالدحيح، والذي يبسط العلوم بشكل كوميدي، والطبيبة إيمان الإمام التي تبسط العلوم الطبية، والمثقف مايكل راشد الذي يبسط الكتب ويقدم قراءات عامة، وجمهور أي منهم يدور في فلك المليون.

    بزنس «الإنفلونسرز»، على هامشه وتصاعد نجاحاته، خلق اقتصاداً آخر عنوانه: «كيف تصبح إنفلونسر شهيراً في 3 أيام»، لكنَّ كثيرين يشككون في جدوى هذا الجهد، لأن العلم هذه المرة «في الراس وليس في الكراس».. والقصة في جوهرها موهبة زائد حظ، عنصران لا يكفلهما التعليم.

    طباعة