عددهم «غير مسبوق»

قُصّر من مختلف الأعمار تحملهم موجة الهجرة نحو سبتة

صورة

فضّل اليافع المغربي (محمد) التخلف عن امتحان نهاية الموسم الدراسي، أول من أمس، في مدرسة للتكوين المهني بالرباط، ليحاول العبور نحو جيب سبتة في شمال المغرب، على غرار الكثير من القُصّر الذين تدفقوا على المدينة، منذ الاثنين الماضي.

كان لافتاً وجود أعداد كبيرة من القُصّر من ضمن 8000 مهاجر وصلوا سبتة، مستفيدين من تخفيف مراقبة الحدود من الجانب المغربي، بينهم أطفال ورضّع مع أمهاتهم، في مشاهد خلّفت استياء وذهولاً على مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب.

وأظهرت صور أمهات وآباء مع رضّع يحاولون العبور سباحة، وانتشرت على نطاق واسع عالمياً صورة نشرها الحرس المدني الإسباني على «تويتر»، لأحد عناصره وهو ينقذ رضيعاً كاد يغرق برفقة والده في محاولته العبور.

وكتب موقع كود الإخباري المغربي معلقاً: «الجنين يسبح في بطن أمه مهاجراً إلى سبتة، إنه الخيال في أقصى حالاته، إنها أوديسة مغربية».

وصل محمد (17 عاماً) إلى الفنيدق، صباح أول من أمس، بعدما قطع الـ30 كيلومتراً الأخيرة من الرحلة سيراً، شأنه في ذلك شأن كثير من المرشحين للهجرة، الذين قدموا من مدن مختلفة.

مع أنه واثق بالنجاح في الامتحان الذي كان مفروضاً أن يخضع له أول من أمس، ما سيؤهله للحصول على دبلوم قد يساعده في إيجاد عمل، إلا أنه يفضل «الهجرة إلى أوروبا، فلا مستقبل لي هنا، أريد أن أعمل كي أساعد عائلتي»، على ما يقول متكئاً على حائط مبنى في محيط المعبر الحدودي، وكان برفقة مهاجرين مغاربة وأفارقة يأملون أن «تتساهل» معهم قوات الأمن المغربية.

وحاول مرشحون للهجرة من أعمار مختلفة، أول من أمس، العبور سباحةً تحت جنح الضباب الذي غطى أجواء المدينة بعد الظهر، لكن البحرية الملكية أرجعتهم، في المقابل فضّل آخرون الاستجمام على شاطئ المدينة تحت شمس حارة صباحاً.

وتراجعت أعدادهم بشكل ملحوظ أول من أمس.

غير مسبوق

والعدد الكبير للمرشحين للهجرة القُصّر الذين توافدوا على الفنيدق «غير مسبوق»، على ما يؤكد الناشط الحقوقي المتخصص في قضايا الهجرة، عمر ناجي.

ومنذ الثلاثاء، تجمعت أمهات وآباء لساعات طويلة أحياناً عند حاجز للشرطة في مدخل الطريق المؤدي للمعبر الحدودي، بانتظار أخبار عن أولادهم.

وكان الخمسيني (عبدالحق) الذي جاء من مدينة تطوان المجاورة متوتراً من شدة القلق على مصير ابنته البالغة 15 عاماً، التي انقطعت أخبارها منذ غادرت البيت قبل يومين، «أخبرتني إحدى الفتيات أنها رأتها في سبتة، من دون أن أعرف أي شيء عن مصيرها».

أما (وفاء)، الأم لثلاثة أبناء، فوصلت، فجر أول من أمس، من طنجة بحثاً عن ابنها البالغ من العمر 15 عاماً الذي غادر من دون علمها.

وتقول الأرملة الأربعينية متأثرة بعدما عثرت عليه: «أخبرني أصدقاؤه أنه هنا، بقدر ما تمنيت أن يعبر بقدر ما سعدت للقائه مجدداً».

غالباً ما يكون القُصّر المرشحون للهجرة منقطعين عن الدراسة ومن أسر فقيرة، ويمارسون أحياناً مهناً هامشية، ويجمعهم الحلم بحياة أفضل في أوروبا، حيث يطمحون إلى العبور من سبتة إلى شبه القارة الإيبيرية. هذه حال (عبدالله - 16 عاماً)، الذي غادر المدرسة في سن الـ14 ليعمل ميكانيكياً، «ويساعد» والده البائع المتجول في إعالة أخويه.

ويقول اليافع الذي جاء من طنجة في سيارة أجرة: «تلحّ علي والدتي كي أعود لكنني مصرّ على الهجرة، القنابل المسيلة للدموع لا تخيفني»، رغم أن السلطات الإسبانية أرجعته، الثلاثاء، بعد أن أمضى نحو ثلاث ساعات فقط في سبتة. يعد الانقطاع عن الدراسة معضلة كبيرة في المغرب، إذ طال أكثر من 300 ألف تلميذ العام الماضي، وفق أرقام رسمية، وعموماً يجد معظم الشباب بين 15 و34 عاماً أنفسهم على «هامش النمو الاقتصادي»، وفق تقرير رسمي عام 2018، نبّه إلى أن 82% منهم لا يمارسون أي نشاط.

سأعود

بعد ترحيله، أمضى (عبدالله) الليلة في حديقة مجاورة لمدخل المعبر الحدودي، بينما تفرق مهاجرون آخرون في الأزقة المجاورة، حيث مدهم بعض سكان المدينة بالماء والطعام.

ورُحّل 4800 شخص، أول من أمس، من المهاجرين الذين نجحوا في العبور، بينهم 1500 قاصر على الأقل، وفق أرقام رسمية من الجانب الإسباني.

وشجب عمر ناجي «الزج بالقُصّر من طرف السلطات المغربية للضغط على إسبانيا من أجل مصالح سياسية»، مندداً أيضاً «بترحيلهم من قبل السلطات الإسبانية، في انتهاك للاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي وقّع عليها كلا البلدين».

وأشار إلى أن السلطات الإسبانية «لم تكن ترحل القُصّر في أوقات سابقة».

وفي حين يؤكد (عبدالله) نيته البقاء في الفنيدق، وتكرار المحاولة بعدما «تدبر ما يكفي من النقود للبقاء أياماً أخرى»، يفضّل رفيقه (حسن - 17 عاماً) العودة إلى طنجة، بعد اقتناء علب سردين وقناني مياه استعداداً للرجوع سيراً على الأقدام.

ويقول متحسراً: «أحلم بأن أعيش في أوروبا، لكنني لن أجازف الآن لأُرحّل مباشرة»، مستدركاً: «لكنني سأعود، لابد أن أنجح يوماً».

• يعد الانقطاع عن الدراسة معضلة كبيرة في المغرب، إذ طال أكثر من 300 ألف تلميذ، العام الماضي، وفق أرقام رسمية.

• يجد معظم الشباب بين 15 و34 عاماً أنفسهم على «هامش النمو الاقتصادي»، وفق تقرير رسمي عام 2018 نبّه إلى أن 82% منهم لا يمارسون أي نشاط.

طباعة