نجحوا في مقاومة الإعاقة بعزيمة وإصرار

شباب غزة المبتورة أطرافهم بفعل الرصاص الإسرائيلي يشكلون فريق كرة قدم

صورة

استطاع أبناء غزة المبتورة أطرافهم بسبب الرصاص الإسرائيلي تجاوز الإعاقة، وتكوين اتحاد كرة قدم يصبو إلى الانتشار عالمياً، وذلك في بادرة تدل على مدى عزيمة الشعب الفلسطيني. خلال العام الماضي، أصيب نحو 7000 فلسطيني برصاص إسرائيلي حي، منهم 120 بُترت أرجلهم، من بينهم 20 طفلاً. وكانت الأمم المتحدة قد حذرت أخيراً من أن 1700 فلسطيني إضافي يحتاجون إلى جراحة معقدة، قد يفقدون أطرافهم أيضاً بسبب نقص التمويل المزمن. وتتهم الأمم المتحدة الجنود الإسرائيليين بارتكاب جرائم حرب بإطلاقهم النار على الحشود. ويدافع الجيش الإسرائيلي عن تصرفاته، قائلاً إن المتظاهرين يلجؤون إلى العنف ويهددون المدنيين الإسرائيليين.

كان بهاء، (20 عاماً)، في حالة صدمة، لم يفهم في البداية لماذا كان بعض أصدقائه يستلقون على الأرض بلا حراك بجانبه.

ثم رأى ساقه ملقاة بعيداً عن بنطاله الملطخ بالدماء. لقد كان على بعد 400 متر فقط من السياج الحدودي بين غزة وإسرائيل في 14 مايو 2018، وهو اليوم الذي نقل فيه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، السفارة الأميركية من تل أبيب إلى مدينة القدس المحتلة.

بعد ظهر ذلك اليوم، قتل الجنود الإسرائيليون نحو 60 فلسطينياً، وأصابوا أكثر من 2000 آخرين، في الوقت الذي استعرت فيه الاحتجاجات ضد قرار البيت الأبيض المثير للجدل. لم يستطع مستشفى الشفاء الرئيس في غزة، الذي ازدحم بقرابة 1300 شخص أصيبوا بنيران حية إنقاذ ساق بهاء اليمنى. وشعر بائع الملابس الشاب الفقير، والمحاصر في هذا الجيب، أنه لم يفقد ساقه فقط، بل مستقبله بالكامل.

استبدّ اليأس ببهاء إلى أن وجّه إليه فريق كرة قدم المعاقين في غزة الدعوة للانضمام إليه. يقول لصحيفة الإندبندانت: «لقد شعرت بالاكتئاب والقلق لأنني لن أستطيع العمل بعد الآن». ويمضي قائلاً: «قبل إصابتي، كانت كرة القدم مهمة للغاية بالنسبة لي، وأعتقدت أنني لن ألعب مرة أخرى». كان متشككاً عندما تمت دعوته لأول مرة للانضمام إلى الفريق. يقول: «اضطررت إلى إعادة تعلم اللعبة بأكملها مرة أخرى، كنت أتعلم الأساسيات على العكازة».

تم تشكيل اتحاد كرة القدم للمعاقين الفلسطينيين في غزة قبل أشهر قليلة من إصابة بهاء. ومن المفارقات أن الاتحاد عقد دورته التدريبية الافتتاحية في 30 مارس 2018، الذي يصادف اليوم الأول من احتجاجات المسيرة العظيمة التي ظل سكان غزة يتجمعون خلالها بمئات الآلاف على الحدود مع إسرائيل، كل أسبوع، احتجاجاً على الحصار.

موجة مصابين

لم يكن اتحاد كرة القدم الناشئ، الذي بدأ بخمسة لاعبين فقط، يتوقع أن تنضم إليه موجة من الشباب المصابين حديثاً، مثل بهاء، إلى صفوف الفريق. ولدى الاتحاد الآن 80 لاعباً، وهناك خطط لإنشاء اتحاد نسائي. يقول بهاء، وهو يرتدي الطقم البرتقالي الخاص بفريقه، إن كرة القدم ساعدته على استعادة حياته «إلى طبيعتها»، لديه الآن ساق اصطناعية وعاد إلى العمل بعد أن استعاد طاقته من خلال ممارسة كرة القدم. ويقول: «آمل أن أتمكن من اللعب دولياً من أجل فلسطين. حلمي هو أن ألتقي مع لاعب ليفربول محمد صلاح»، ويضيف المهاجم «ازداد عندي الأمل الآن، والحلم أصبح حقيقة».

وتعتزم غزة التقدم للانضمام إلى اتحاد كرة القدم الدولي للمعاقين، الذي يضم لاعبين من 46 دولة.

ولهذا الغرض زار الأمين العام لاتحاد كرة القدم الأوروبية للمعاقين، سيمون بيكر، قطاع غزة بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الشهر الماضي، لتدريب مدربي الفريق ومساعدتهم على بناء رابطة مناسبة. ويأمل هذا اللاعب الأيرلندي المولود في لندن، أن يسهم في تكوين رابطة لغزة لكي تتمكن من الحصول على مكان لها في اتحاد كرة القدم الدولي للمعاقين، وإذا كان بإمكان الفريق الحصول على تصاريح من إسرائيل، فسيسافر إلى الخارج للمنافسة في كأس العالم للمعاقين لعام 2022.

وعلى المدى المتوسط، يهدف بيكر إلى العودة إلى غزة في غضون ستة أشهر لمراقبة تقدم اللاعبين، وإذا ما أحرزوا تقدماً مناسباً فإنه يخطط لاستضافة بطولة في دبلن في الربيع المقبل، والتي سيتم دعوة فريق غزة إليها، إلى جانب لاعبين من دول أخرى. يقول بيكر: «في البداية، شعر اللاعبون في غزة بالقلق من أن الجميع ينظرون إليهم فقط كمعاقين»، ويمضي قائلاً: «نريد أن يرى الناس أولاً الرياضة التي يلعبونها واللاعبين، وليس إعاقة الشخص».

دور الرياضة

وخسر بيكر ساقه في حادث عام 2004 عندما سقط أثناء ممارسة عمله كعامل بناء. ويقول إن الحادث جعله يفكر في الانتحار. ولكن بعد إجراء ثماني عمليات، قرر أن يغير حياته ويصبح لاعب كرة قدم محترفاً. ويقول في هذا الصدد: «الرياضة هي وسيلة رائعة لإعادة اختراع نفسك»، ويتابع «ما نريده من الناس عندما يشاهدوننا ونحن نلعب أن يقولوا: يا للروعة، وليس يا للأسف». ويضيف «نريد منهم أن يربتوا على ظهورنا وليس على رؤوسنا»، كناية عن الشفقة.

ويقول إنه لهذا السبب يتم تدريب المدربين في غزة على التعامل مع الفريق مثله مثل فرق الرياضيين المحترفين، مع جدول تدريب صارم. ويضيف: «قلت للمدربين، لا تضعوا ذراعكم حول خواصرهم، بل عاملوهم كلاعبين عاديين». وعلى أرض الملعب، على الرغم من حقيقة أن الفريق بأكمله يصوم لشهر رمضان المبارك، إلا أن التدريب كان طويلاً وقاسياً. ويتحرك اللاعبون، الذين يفتقد كل منهم أحد أطرافه، بسرعة ورشاقة عبر الملعب على عكازات جلبتها اللجنة الدولية إلى القطاع. فقط حراس المرمى لا يملكون عكازات، ولكن يفتقد كل منهم ذراعاً واحدة. ويقول علاء العايدي، البالغ من العمر 42 عاماً، وهو أب لخمسة أطفال، تعرض لإطلاق الرصاص في اليوم الأول للاحتجاجات على الحدود بين غزة وإسرائيل: «لم أعتقد أبداً أنني سألعب كرة القدم بشكل احترافي، حتى قبل أن يتعرض ساقي للبتر».

حاول الانتقال إلى مستشفى إسرائيلي بعد أن تعرض لقطع وريده في عملية فاشلة في غزة، ما جعل جرحه ينزف لمدة أربعة أيام. ورفضت إسرائيل استخراج تصريح سفر له، وكانت الطريقة الوحيدة لإنقاذ حياته هي بتر الطرف الذي كان يسمم جسده. يقول: «عندما أخبرني الأطباء أنهم اضطروا إلى قطعها، شعرت بالاكتئاب الشديد حتى إنني ناضلت كي لا يقطعوها». ويسترسل «بعد ذلك تم الاتصال بي من قبل فريق كرة القدم، واعتقدت أنه لا توجد طريقة للعب كرة القدم على عكازين، لكني كنت مخطئاً»، ويختتم حديثه «لم أحلم أبداً في حياتي بأن أكون لاعباً دولياً، لكن تحقق ذلك الآن».

ومن بين لاعبي الفريق عبدالرحمن نوفل، (12 عاماً)، الذي لم يكن حاضراً أثناء التدريب، لأنه كان في الضفة الغربية يتلقى العلاج. كان هذا الفتى المتعصب لكرة القدم يبلغ من العمر 11 عاماً فقط، عندما أطلق عليه جندي إسرائيلي النار في ساقه بينما كان يركض ليحضر كرة قدم أثناء لعبه مع الأصدقاء خلال تظاهرة حدودية في مايو الماضي. وفي ذلك الوقت شعر أن حلمه في أن يكون مهاجماً قد تحطم بسبب البتر. لكن محمود ناوق، أحد المشاركين المبدعين في الفريق، قال إن عبدالرحمن الآن أحد أفضل اللاعبين الشباب. يتدرب بانتظام مع الآخرين، ويحلم بالانضمام إلى المنتخب الوطني الفلسطيني، عندما يبلغ من العمر ما يكفي. وفقد ناوق ساقيه عندما أصيب في غارتين جويتين إسرائيليتين، أصابت إحداهما منزله والأخرى المستشفى الذي كان يعالج فيه خلال حرب 2014.

تبرعات

وباعتبار أن كلا ساقيه مبتورتين، فإنه لا يستطيع لعب كرة القدم، وبالتالي يدير الفريق بدلاً من ذلك. وفي الوقت الحالي، يقول إنهم يبحثون عن تبرعات إضافية وراعي محتمل لكي يتمكنوا من دفع ثمن استئجار الملعب والنقل وكلفة المعدات. ولايزال المدربون، الذين يسعون للحصول على تدريب إضافي، متطوعين. ويضيف قائلاً: «عندما أنشأنا الاتحاد، لم تكن لدينا أي فكرة عن حدوث طفرة مفاجئة في الأشخاص المبتورة سيقانهم، كما لم يكن لدينا فكرة أن الكثير منهم يرغبون في الانضمام إلى الاتحاد». وتقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي لاتزال تدعم البرنامج، إن تأثير هذه الرياضة على الناس «عميق»، لأن الرياضة لا تعيد الناس إلى المجتمع فحسب، بل تقدم لهم فرص التعليم والعمل. ويقول المسؤول باللجنة الدولية للصليب الأحمر، جيس ماركت، وهو مدرب كرة سلة يمشي على كرسي متحرك: «إنه تحدٍّ كبير في غزة». ويضيف «لكنك ترى الآن أشخاصاً لم يعودوا يعتبرون أنفسهم مجرد معاقين، وإنما رياضيين في المقام الأول، إنه تحول عميق في كيفية طرح أنفسهم أمام المجتمع وبقية العالم».

وبالعودة إلى الملعب، حيث تسير الدورة التدريبية، يقول نواق: «رسالتنا إلى كل جرحى غزة هي أنه حتى إذا فقدت ساقك فإن هذه ليست نهاية حياتك، أنت لست بحاجة إلى حبس نفسك في منزلك، بل يمكنك أن تستعيد حياتك بالفعل أفضل مما كان عليه الحال من قبل». ويختتم حديثه قائلاً: «رسالتنا الثانية هي للإسرائيليين: رغم كل ما يفعلونه لإلحاق الأذى بنا، سنظل واقفين ونستمر في الحياة، ورسالتنا الثالثة موجهة إلى العالم بأننا نحن الفلسطينيين وجدنا هنا لنعيش ونزدهر، نحن لسنا مولودين للمعاناة فقط».


زار الأمين العام لاتحاد كرة القدم الأوروبية للمعاقين، سيمون بيكر، قطاع غزة بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الشهر الماضي، لتدريب مدربي الفريق ومساعدتهم على بناء رابطة مناسبة.

طباعة