11 عملاً لصفوان داحول في «أيام غاليري» بدبي

«كأنه حلم».. وجع سوري بوجوه مهشـمة

صورة

تحمل أعمال الفنان السوري صفوان داحول، في معرضه الذي افتتح أول من أمس في «أيام غاليري» بعنوان «كأنه حلم»، وجع سورية. تعمد الفنان نقل مآسي وانكسارات وطنه من خلال وجه المرأة الفرعونية المهشم والمتكسر. أتت الأعمال رمادية مخلصة لضبابية المرحلة التي تعيشها بلاده، ومأخوذة من عالمه الذي يتعمد فيه التقشف اللوني، فلم يسعَ من خلالها إلى خلق عالم موازٍ، بقدر ما شكلت صدى وامتداداً له. أما عنوان المعرض «كأنه حلم» فقد أتى استبدالاً للعنوان الذي رافقه طوال سنوات، وهو «حلم».

تأثير من الحضارات

يتمتع الفن الذي يقدمه الفنان صفوان داحول بغناه بالجوانب التاريخية، حيث تأخذ المرأة التي يرسمها الملامح الفرعونية، لاسيما في شكل العيون التي يمنحها امتداداً عند الزاوية. كما لا تتوقف التأثيرات التي تتداخل في لوحاته على الفن المصري والفرعوني، حيث تدخل أيضاً بعض الملامح الرومانية من خلال أشكال الأصابع التي يرسمها.

سيرة لونية

ولد الفنان صفوان داحول في مدينة حماة، وقد انتسب إلى مركز سهيل الأحدب للفنون، ثم تابع دراسة الفن في كلية الفنون في دمشق، بينما حصل على الدكتوراه في التصوير من بلجيكا عام 1997. أمضى داحول مسيرته الفنية وهو يرسم الحلم، ويختبره في الحالات واللحظات والتجارب البشرية. كما تحمل أعمال داحول الكثير من الملامح التاريخية، وذلك من خلال الملامح الفرعونية التي تظهر في عيون المرأة التي يرسمها.

ضم المعرض، الذي شهد حضوراً واسعاً، 11 عملاً، تميزت بشدة الارتباط بالوجع السوري الذي أجبر الفنان على تركه عام 2012. يصور داحول من خلال الوجوه التي عهدناها في أعماله الحزن والأسى، والأرق الذي لا يفارق أي مواطن يدرك حجم الكارثة.

يحصر كل المشاعر التي يطرحها داخل اللوحة، فعلى الرغم من أن المرأة في اللوحات تبدو في حالة عزلة، إلا أنها لا تنقطع عن الواقع، فالوجه الذي يعرضه على المرآة المكسورة، يعبر عن حالة من التهشم الداخلي والانكسار والإحباطات المتكررة. هذا الأسى يتكرس في العمل الذي قدم فيه العين وتحتها مجموعة من الأطفال الذين أخذتهم الحرب، فهي صرخة يطلقها داحول بعين الشاهد الذي يرى حجم الفاجعة، ولا يملك ما يقدمه سوى فنه، كي يعبر من خلاله.

أطفال داحول ماتوا في أسفل اللوحة والعين تنظر اليهم وإلى الظلم الذي ألحق بهم، شاهدة على مأساة تتكرر بشكل شبه يومي. أما الوجه المهشم في إحدى اللوحات فهو يبرز حالة التكسر التي أصابت وطناً بكامله. تبدو العناصر التي ترافق المرأة في لوحات داحول ثابتة، فهي مازالت تجلس على كرسيها أو تقف على نافذة مفتوحة، تقبع وحيدة في اللوحة، تنحني وتتكور ضمن بعضها، لتكون هي الأساس والمحور في المشهد الذي يقدمه.

اللافت في هذا المعرض تعمد تضخيم الوجوه في أغلب اللوحات التي قدمها. الأبيض والأسود لا يغيبان عن أعماله رغم طغيان الرمادي على الأعمال، فهي لغة لونية تشكل الحقل الذي ابتكره داحول لنفسه، ويتماشى معه ويتطور معه دون أن يجد نفسه مجبراً على التغيير. الألوان في لوحة داحول مخلصة تماماً للحالات التي يعرضها، فهي تتداخل في أفق بصري يركز على القضايا الإنسانية والهموم البشرية والانفعالات التي يكتنزها المرء بداخله.

يولي داحول الأشكال الهندسية حيزاً مهماً في عمله، فيميل إلى تقديم الزوايا، والانحناءات ضمن إطار تشكيلي قائم على الدقة، فلا مكان لأي ضربة عبثية، حتى تعرجات المواد المستخدمة لا يظهرها، فيحرص على أن تكون الكانفاس بسطح أملس. اللوحة منضبطة اللون حتى في درجاتها التي تتداخل مع بعضها. أما النساء اللواتي يرسمهن فيسكنّ اللوحات ضمن أشكال هندسية تثني الجسد بحركات استثنائية، تجعله منقلباً ومنحنياً بشكل خيالي بحت. هذه الليونة تفصح عن ألم مخزون يتكشف عبر اللغة الجسدية.

يستطيع المتابع لأعمال داحول منذ «حلم»، الذي بدأ في عام 1990، الى معرضه الأخير الذي يستمر حتى 13 مارس، أن يبني علاقة مع الشخصية التي ترافقه، يتابع تحركاتها وانفعالاتها والاحتمالات التي تأخذها. هذه العلاقة بين أعمال داحول والمتلقي تنبني من خلال استمراريتها وديمومتها وعصيانها على التكرار. تبدو كأنها شخصية أزلية، ترافق انفعالاته الشخصية، فهي يمكن أن تكون «الراوي». ونجح داحول في أن يجعلها شاهدة هذه المرة على كل ما ألمّ بوطنه.

وقال داحول لـ«الإمارات اليوم»: «اخترت تغيير اسم المعرض هذا العام، لأني للمرة الأولى أشعر أن تفكيري بسيط لأن يكون كل ما رسمته حلماً، فهو كأنه حلم أو حلم ناقص، أو كأن الواقع الحالي يقول: هذا ليس حلم، لم أرغب أن أسميه كابوساً، ولكن خففت من وقع الكلمة، فالواقع أصعب بكثير من أن يستوعبه أي شخص». وأردف قائلاً: «الواقع بالطبع شكّل صدمة، لاسيما لجهة ما يحدث في العالم العربي عموماً، وسورية خصوصاً، ولكن بطبيعة الاحوال لا يمكنني أن أكون مباشراً في الأعمال، لأني لا أؤمن باللوحة المباشرة».

ولفت داحول إلى أن من يترك بلده ويأتي إلى بلد آخر، يعيش الغربة بكل أشكالها، وهذا عبء على أي إنسان، فالضغط النفسي يزداد، ولكن للأسف قدر الفنان أن يحول كل ما يعيشه مهما بلغت قساوته إلى فن، وأحياناً يعزي نفسه بهذه المهمة.

أدخل صفوان داحول الألوان على مجموعة من لوحاته، لكنه يبقى أكثر توجّهاً إلى استخدام الأبيض والأسود بتدرجات متعددة، حتى يبدو أحياناً أن الأبيض ليس أبيض تماماً، والأسود ليس مخلصاً لعتمة سواده. بينما اليوم نجده أكثر ميلاً إلى استخدام الرمادي الذي يبرزه بتدرجات متعددة في كل عمل.

 

طباعة