عرض اختباري مميز يختتم الدورة السادسة من «الفجيرة للمونودراما»

«شكل الإنسان 1».. بحث أدائي في جوهر الجسد

صورة

وصلت عروض الدورة السادسة من مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما إلى ذروة كبيرة ومميزة؛ يمكن القول من دون تردد إن ختامها مسك، مع عرض استثنائي جاء من ألمانيا حمل عنوان «شكل الإنسان1»، وهو عمل أدائي ذهني يبحث في جوهر الوجود المادي والمعنوي للجسد البشري عبر حالات واقتراحات تخضعه لسلسلة من الاختبارات المرهقة في رحلة انعتاقية من صوره وأشكاله النمطية المتعددة. حتى وإن اختلفت الآراء حول علاقة هذا العرض بفن المونودراما لناحية عدم قيامه على أي بنية درامية وحكائية تقليدية، إلا أن وجود مثل هذه الأعمال التجريبية في المهرجان يمثل ضرورة يجب الحفاظ والتأكيد عليها، لأنها تضيء لنا مساحة جديدة في مفاهيم الممثل والأداء والذهاب نحو قيم وأفكار تختبر قضايا مؤثرة وجدلية في حياة الإنسان المعاصر. ميزة هذا العرض المبهر أنه لا يتعاطى مع الجسد البشري باعتباره حالة نهائية. وضعه الحالي جاء من تحولات وتطورات دائمة ومستمرة على مدى عصور طويلة، وربما كان في هذه اللحظة في مسيرة تطور تظهر نتائجها لاحقا على صعيد الغرائز والقدرات وعلاقته بمحيطه الطبيعي والبشري. في هذا العرض نضع الكثير من قناعاتنا جانباً، وندخل في لعبة استقصائية بطيئة ومرهقة مع هذا الجسد ومن مناحٍ وأطوار مختلفة.

الجسد الذكي

لا يقوم العرض على بنية درامية أو حوارية، بقدر ما ينشغل تماماً بتقديم لغة جسدية مبهرة. الجسد في هذا العرض حاضر بفرادة ودلالة على القدرة التعبيرية غير المحدودة التي يمكنه الوصول إليها. يمكننا الحديث عن الجسد الذكي، والقدرة العضلية والنفسية التي تجعله عميقاً ومعبراً بما يتجاوز القول. في هذا العرض لا ضرورة للكلام، نحن في حضرة ممثلة ومخرجة استثنائية قادت عرضها في لعبة مكشوفة تماماً، ودون أي دعم فني بصري، باستثناء القليل من الإضاءة التي كانت تحدد فرضيات ودلالات الحركة على الخشبة المفتوحة.

طمس الحدود

نقول مؤلفة ومخرجة عرض «شكل الإنسان1»: «في هذا العمل أود أن أطمس الحدود بين جسم الإنسان والجسم الاصطناعي؛ بحيث لا يمكننا أن نفرق بين الخيال والواقع. هنا يصبح الجسد مجرد شيء افتراضي نجرده من كل معانيه ليصير مجرد شكل أحاول الوصول به إلى الفضاء الحدي بين الواقع المادي والواقع الاصطناعي».

يمضي العرض لمؤلفته ومخرجته وممثلته مينا سيكي بعيداً في قراءة الإنسان، والبحث عن جوهره وأشكاله الحقيقية والوهمية. يتعقب العمل أثره وتأثيره، من خلال جملة من الافتراضات التي تخضع الجسد لاختبارية دقيقة وصارمة، وترصد فعله وردات فعله في رحلة أدائية ومضنية على الخشبة. يستند العرض على قيمة بحثية ذكية ودقيقة في المفاهيم التي يرتبط فيها شكل الإنسان. خمس حالات شهدها هذا العرض الصامت، بدءا من الشكل الآلي الميكانيكي، مروراً بالدمي، والجسد الميت، وصولاً إلى محاولة البحث في حالة الانعتاق وعلاقة الروح بالجسد. عند هذه النقطة يتوقف العرض مطولاً في جدلية تتقاطع فيها الموسيقى والإضاءة بالتعبيرات الجسدية الدقيقة جداً، وكأنها تجمع في لحظة استثنائية من العرض مفهومي الولادة والموت من خلال ذهاب وإياب الروح. هنا يصير الجسد مساحة اختبارية، وحقل تجارب واسعاً، ونحن نتلمس اكتشافاته الأولى، والتقاطع مع الخارج بحواس غريزية جامحة. لا يقوم هذا العرض على بنية درامية أو حوارية، بقدر ما ينشغل تماماً بتقديم لغة جسدية مبهرة. الجسد في هذا العرض حاضر بفرادة ودلالة على القدرة التعبيرية غير المحدودة التي يمكنه الوصول إليها. يمكننا الحديث عن الجسد الذكي، والقدرة العضلية والنفسية التي تجعله عميقاً ومعبراً بما يتجاوز القول. في هذا العرض لا ضرورة للكلام، نحن في حضرة ممثلة ومخرجة استثنائية قادت عرضها في لعبة مكشوفة تماماً، ودون أي دعم فني بصري، باستثناء القليل من الإضاءة التي كانت تحدد فرضيات ودلالات الحركة على الخشبة المفتوحة، التي تم استغلالها لاستيعاب البناء الحركي والإيقاعي والتحولات المستمرة، دون أي توقف ضمن رحلة الانتقال بين أشكال الإنسان التي عالجها العرض.

تلعب الموسيقى في هذا العرض دوراً أساسياً في منح الحركة بعدها التعبيري. الموسيقى في هذا العرض مصنوعة له بشكل كامل، ولم تتم الاستفادة من أي مؤثرات من خارج بينة العمل. خمسة مقاطع أساسية تم تأليفها بعناية ودمجها لاحقاً مع النتائج التي وصلت إليها المخرجة الممثلة على مستوى الجسد، فلا مكان في مثل هذه الأعمال لأي خطوة غير محسوبة. الطابع البحثي فرض نفسه بشكل جلي ومباشر على جميع مفردات ومقومات العرض الذي سار وفق رؤية صارمة؛ وربما صادمة في بعض الأحيان. كنا في نهاية المطاف في حضرة تجربة خاصة وفريدة من نوعها، بحث بشكل عميق في أشكال حيوات الإنسان، وصولاً إلى مشهد الولادة الأخير ودخول الممثلة بين الجمهور؛ معلنة دخولها الحياة بعد ذلك المخاض القاسي والعنيف.

 

 

طباعة