ضمن برنامج «ربما هنا»

الخيال المعاصر يحلّق في بيت السركال بـ 9 عروض أدائية

الأعمال يقدمها مجموعة من الفنانين الناشئين والمتمرسين. من المصدر

على مدى ثلاثة أيام، تقدّم مؤسسة الشارقة للفنون برنامج «ربما هنا»، ضمن الموسم الخامس من «عروض الشارقة»، في بيت السركال بالحي التاريخي في الشارقة، بمشاركة مجموعة من الفنانين الناشئين والمتمرسين، عبر تسعة تكليفات فنية جديدة أُعدّت خصيصاً لهذا الموقع التراثي الذي يعود إلى القرن الـ19.

ويستكشف البرنامج، الذي تنطلق عروضه غداً، آفاق الخيال المعاصر من خلال تجارب أدائية متنوعة، تراوح بين المشاهد المسرحية القصيرة والتأملات في الذاكرة والفقد، وصولاً إلى لقاءات تتداخل فيها حدود الواقع والخيال. ويتيح البرنامج للجمهور متابعة عروض تتسم بطابعها الحميمي وتنوّع أساليبها الفنية، بمشاركة كاميليون، وإيبانا غارين ولويس غوينيل، وحاتم ميلادي وخولة الهادف، وهند البلعوطي، وجميري، وكندة الأطرش، ومحمد مشارقة، وصفا بلوجي، وسلمى وسفيان ويسي.

وتتناول مجموعة من الأعمال علاقة الإنسان بالذاكرة والفقد وآثارهما في الجسد والوجدان، ومنها عرض «لسنا وحدنا هنا» لكاميليون، الذي يجمع الموسيقى والشعر والضوء والإسقاطات البصرية في تجربة تتلاشى فيها الحدود بين الأحياء والموتى، وبين التجربة وروايتها، ويتمحور العمل حول (زينة) التي فقدت أمها أثناء ولادتها، لكنها ظلّت حاضرة في عالمها الداخلي، إلى جانب راوٍ يتنقّل صوته بين الأم وابنتها، متسائلاً عمّا إذا كان سيبقى مراقباً أم يدخل مجرى الأحداث كشخصية أخرى.

فيما تستلهم هند البلعوطي في عرضها «تذكر: ما أخبرتني به جدتي» المراثي الشعرية وطقوس الحداد التي طُمست عبر ثقافات مختلفة، لتقدّم حزن النساء بوصفه قوة كونية للتجدّد والاستمرار، ويتحوّل الأداء إلى مرثية مجسّدة تتخذ فيها الذاكرة أشكالاً مادية وسائلة ومقدّسة، وتمتد من الإنسان إلى الماء والأرض والكواكب والكائنات غير البشرية، مستحضرةً صور الحنان والصمود والصداقة، التي يتردد فيها صدى أصوات الجدّات والأسلاف عبر التاريخ.

أما عرض «الرقص على الأطلال»، لإيبانا غارين ولويس غوينيل، فيتتبّع رحلة امرأة تتجوّل بين عوالم مدمّرة، حاملةً بقايا بيت كان يوماً موطناً للسعادة، ومن خلال ما يرافق رحلتها من ألم وغضب وتشبّث بالذكريات، يطرح العمل تساؤلات حول ما يمكن فعله بأطلال مجتمع، وإمكانية بناء عوالم جديدة من البقايا، تنفتح على احتمالات أخرى للحياة.

وفي مقاربة مختلفة لآثار التجارب القاسية على الإنسان، يقدّم محمد مشارقة في عرض «نصف حياة»، تجربة الاعتقال بوصفها بيئة تتسرّب إلى الجسد والحواس واللاوعي، مجسداً على امتداد العرض ثنائية السجين والسجّان في رابطة وجودية، يعجز فيها أيّ منهما عن تعريف الآخر من دون أن تنشأ أزمة هوية، كما يعيد مشارقة تأمّل آثار ما بعد الاعتقال، وتسربها إلى الحياة الأسرية والمجتمع.

أما عرض «العالم ما وراء الأسوار»، لكندة الأطرش، فيتناول سعي الإنسان إلى الحرية في مواجهة الجدران التي تحيط بوجوده، بدءاً من رحم الأم وصولاً إلى حدود البيوت والمدن والعقول، ومن خلال تجربة صوتية وموسيقية تتخذ شكل حجرة محددة الموقع، يستكشف العمل الجدران التي تُفرض على الإنسان وتلك التي يبنيها بنفسه، متسائلاً عن القدرة على تجاوزها والتحرّر منها.

وتحت عنوان «بس؟ هذي هي؟»، يتنقّل جميري بين الواقع والخيال، مستلهماً الأحلام الواعية وشلل النوم، مؤسساً لمزيج من الفكاهة والقلق والعبث، عبر لقاء مع حضور خفيّ، تتفرّع منه تساؤلات عن الفناء والطموح والوحدة والشك.

وتحضر مشاركة الجمهور بوصفها عنصراً أساسياً في عدد من الأعمال، من بينها «ثم تخيل أنك سمكة» لحاتم ميلادي وخولة الهادف، الذي ينطلق من تفاصيل الحياة اليومية ومواقفها المألوفة، ليدعو المشاهد إلى تخيّل نفسه في عالم مختلف، وداخل عمل تركيبي متغيّر، ينتقل الجمهور تدريجياً من موقع المتفرّج إلى المشاركة الفاعلة، وصولاً إلى مواجهة مع معضلة أخلاقية يصبح فيها للامتناع عن الفعل أثر لا يقل عن الفعل نفسه.

وفي سياق متصل، تقدّم سلمى وسفيان ويسي عرض «2 9 8 1 4»، امتداداً للعمل الحركي «طائر» (2023)، الذي نشأ استجابةً لوجود حمامة اتخذت من مساحة العمل مكاناً لها، وفي هذا الفصل الجديد المؤدى برفقة حمامة غير مدرّبة من الشارقة، تتحوّل الأرقام إلى إيماءات وديمومات ومسارات، ويختار الجمهور خلال العرض، الذي يستغرق 20 دقيقة، الجزء الذي سيُؤدّى من الرقصة، وفق تدوين أدائي يظل مفتوحاً على الاحتمالات. غير أن حركة الحمامة وإيقاعها الخاص يضيفان عناصر غير متوقعة، تجعل المصادفة والارتجال جزءاً أساسياً من تكوين العمل، وتدعو الجمهور إلى الإصغاء والانتظار والتكيّف مع ما يحدث.


«على طرف الحلق»

يستكشف عرض «على طرف الحلق»، لصفا بلوجي وحاجي صدّيق، العلاقة بين الصوت والجسد والذاكرة، مستلهماً ممارستَي «زاهيروك» و«غواتي» في الموسيقى البلوشية، فبينما يمثّل «زاهيروك» قالباً غنائياً متجذّراً في الفراق، غالباً ما يحمل اسم شخص أو حدث، ليمنح الحزن صوتاً وتاريخاً خاصّين به، يرتبط «غواتي» بطقس علاجي من الساحل البلوشي، تقود فيه الموسيقى الجسد إلى حالة من الوجد عبر حركات شبيهة بالرقص، ويجمع العمل بين هاتين الممارستين اللتين تُؤدّى كل منهما عادةً على حدة، مستكشفاً انتقال الأغاني والتواريخ الشخصية بين الأفراد وتحوّلها عبر الزمن.

ونشأ العرض من تبادل فني بين صفا بلوشي وأستاذ العزف على آلة السوروز صدّيق بلوش، ليشكّل نقطة انطلاق «أطلس صوتي بلوشي»، وهو مشروع بحثي يتتبّع كيف تنتقل التقاليد الصوتية البلوشية وتتحوّل، حاملةً معها الذاكرة الثقافية عبر جغرافيات مختلفة.

• 3 أيام، تتواصل فيها عروض برنامج «ربما هنا»، التي تنطلق غداً.

تويتر