من ماضي الاحتلال والانتقام إلى الصراعات الطبقية والذكاء الاصطناعي

بين «امرأة مجهولة» و«حب محتمل».. جوائز «البندقية 83» تنتصر لسينما الذاكرة والحرب والإنسان

صورة

أسدل مهرجان البندقية السينمائي الدولي الـ83 الستار على دورة اتسمت بتنوع واسع في الأصوات والموضوعات، وانتهت بقائمة جوائز تبدو، عند قراءتها بعيداً عن الأسماء والعناوين، أقرب إلى خريطة للأفكار التي تشغل السينما المعاصرة: ذاكرة الحروب، وآثار الاحتلال، وهشاشة الطبقات الاجتماعية، وعلاقة الإنسان بالسلطة، واستغلال الضعفاء، والحدود الملتبسة بين الحقيقة والتمثيل.

وفي مقدمة هذه الخريطة جاء الفيلم الدنماركي «امرأة مجهولة - Woman Unknown» للمخرجة المصرية الدنماركية، ماي الطوخي، الذي انتزع الأسد الذهبي لأفضل فيلم، فيما ذهبت جائزة كأس فولبي لأفضل ممثلة إلى بطلته ماتيلد أرسيل. ومنحت لجنة التحكيم، برئاسة المخرجة والممثلة الأميركية، ماغي جيلنهال، الجائزة الكبرى للفيلم الكوري الجنوبي «حب محتمل- Possible Love» للمخرج لي تشانغ دونغ، بينما حصد إيليا خرزانوفسكي جائزة أفضل مخرج عن «DAU».

الذاكرة قضية شخصية

يُمثّل فوز «امرأة مجهولة» أهم مفاجآت الدورة وأكثرها قابلية للقراءة النقدية، وتدور أحداث الفيلم في الدنمارك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث تحاول امرأة شابة تُدعى ماري، تعمل مربية وخادمة، أن تعيد بناء حياتها في مجتمع خرج لتوه من الاحتلال النازي، لكن الفيلم لا يتعامل مع مرحلة ما بعد الحرب، باعتبارها لحظة احتفال بالتحرير، بل يقلب الصورة الرسمية، ويذهب إلى الجانب المظلم من تلك اللحظة: الانتقام، والعار، والعقاب الاجتماعي.

ماري، التي تؤديها ماتيلد أرسيل، تجد نفسها في مواجهة طبقة اجتماعية جديدة حين ترتبط برجل ثري وأرمل يمتلك مصنعاً للقفازات، غير أن الرجل نفسه كان قد حافظ على ثروته من خلال التعامل مع المحتلين الألمان، فيما تحمل ماري سراً من الماضي يمكن أن يقلب حياتها الجديدة رأساً على عقب.

ووصفت قراءات نقدية الفيلم بأنه عمل أنيق ومصمم بعناية، يمزج التشويق النفسي بالدراما التاريخية، بينما رأى نقاد آخرون أن اختياره للأسد الذهبي، يعكس قدرة الفيلم على الوصول إلى جمهور أوسع من بعض الأعمال التجريبية الأكثر صعوبة في المسابقة.

مجتمع غير متكافئ

إذا كان «امرأة مجهولة» يتجه إلى الماضي لفهم آثار الحرب، فإن «حب محتمل» للي تشانغ دونغ ينظر إلى الحاضر، لكنه لا يقل انشغالاً بالسؤال نفسه: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح أسيراً للمنظومة الاجتماعية التي يعيش داخلها؟

الفيلم، وهو أول عمل روائي للي تشانغ دونغ منذ «Burning» عام 2018، يتابع زوجين من الطبقة العاملة فقد أحدهما عمله، وزوجين أكثر ثراء يدخلان حياتهما من خلال مشروع وثائقي يتناول علاقات العمل والطبقة، لكن العلاقة بين الطرفين تتحول تدريجياً إلى مساحة من الاستغلال والتلاعب العاطفي.

يترك لي تشانغ دونغ شخصياته داخل منطقة رمادية، فالغني ليس شريراً ببساطة، والفقير ليس ضحية نقية، والرغبة لا يمكن فصلها عن المال، والحب نفسه يصبح سؤالاً أكثر منه حقيقة.

ويرى نقاد أن الفيلم يستخدم الزمن الطويل والتفاصيل اليومية لتفكيك العلاقة بين المال والرغبة والاستغلال، ما يجعل الجائزة تأكيداً لقيمة السينما التي لا تقدم إجابات جاهزة.

بناء عالم كامل

ذهبت جائزة الأسد الفضي لأفضل مخرج إلى الروسي إيليا خرزانوفسكي عن فيلم «DAU»، وهو اختيار مختلف تماماً عن الفيلمين المُتوّجين بالجائزتين الأكبر.

الفيلم جزء من مشروع سينمائي وفني ضخم ارتبط منذ سنوات بإعادة بناء عالم سوفييتي كامل حول الفيزيائي ليف لانداو، من خلال ديكورات هائلة وتجارب أداء وطريقة إنتاج تسعى إلى خلق بيئة تاريخية كاملة بدلاً من الاكتفاء بتصويرها.

ويصل الفيلم في نسخته الحالية إلى نحو ثلاث ساعات وربع الساعة، وقد وصفه النقاد بأنه عمل ضخم ومربك ومثير للإعجاب، يحول السيرة الشخصية إلى مدخل لفحص طبيعة الاستبداد والرقابة والعنف المؤسسي في الاتحاد السوفييتي.

أما كأس فولبي لأفضل ممثل فذهبت إلى النجم الأميركي جون مالكوفيتش عن دوره في فيلم «Wild Horse Nine-تسعة خيول برية»، للمخرج مارتن ماكدونا.

يأخذ الفيلم المشاهد إلى تشيلي عام 1973، حيث يظهر مالكوفيتش إلى جانب سام روكويل في دور عنصرين من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، أنهكتهما سنوات العمل السري، والعمليات القذرة.

وإذا كانت أفلام أخرى في المسابقة تعاملت مع السياسة بصورة مباشرة وجادة، فإن «Wild Horse Nine» يختار السخرية السوداء، وهنا تأتي قيمة مالكوفيتش، فهو لا يقوم بتقديم رجل استخبارات تقليدي، بل شخصية تحمل في داخلها التعب والعبث واللامبالاة الأخلاقية.

وذهبت جائزة أفضل سيناريو إلى ستيفان بريزي وكورالي أميديو وأوليفييه غورص عن الفيلم الفرنسي «جندي صغير جيد- Un Bon Petit Soldat»، ويكشف هذا الاختيار عن اهتمام اللجنة بالكتابة التي تجعل الشخصية الفردية نقطة اصطدام مع منظومة سياسية وأخلاقية أكبر.


التاريخ حاضر

ما تقوله جوائز البندقية 83 هو أن السينما العالمية لاتزال تبحث عن الإنسان وسط الأنظمة التي تحاصره: الحرب، والطبقة، والسلطة، والذاكرة، والمال، والسياسة والجسد.

ولهذا لم يكن الأسد الذهبي مجرد تتويج لفيلم دنماركي، بل كان اختياراً لسينما تعرف كيف تجعل التاريخ حاضراً من خلال شخصية واحدة، وكيف تحول سراً شخصياً إلى سؤال عن مجتمع بأكمله.

وفي هذا المعنى، خرجت البندقية من دورتها الـ83 بقائمة جوائز لا تقدم إجابة واحدة عن شكل السينما المقبلة، لكنها ترسم بوضوح الأسئلة التي ستظل تطاردها: من يكتب التاريخ؟ ومن يدفع ثمنه؟ ومن يمتلك حق روايته؟.


«NAZA» والجائزة الخاصة

من أكثر نتائج الدورة دلالة منح الجائزة الخاصة للجنة التحكيم إلى الفيلم الوثائقي «NAZA» للمخرجين يوفال أبراهام، وراشيل زور.

الفيلم يتناول استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، ويتحرك في منطقة شديدة الحساسية سياسياً وأخلاقياً، ما جعله واحداً من أكثر أفلام الدورة إثارة للنقاش.

وحصل الفيلم خلال عرضه على تفاعل استثنائي، قبل أن يتوّج بالجائزة الخاصة، وبهذا أصبح «NAZA» أحد أهم العناوين السياسية في الدورة.

 

تويتر