المرصد

القمة العالمية لتدقيق الأخبار

استضافت ولاية كاليفورنيا الأسبوع الماضي قمة عالمية لتدقيق الأخبار، شارك فيها 100 مدقق ومؤسسة من دول مختلفة، بعد أن أصبحت «صناعة تدقيق الأخبار» كياناً وواقعاً معترفاً به من مختلف الدول، وفي مختلف الصحف، والمواقع الإلكترونية، والمحطات التلفزيونية العالمية. ونظم المؤتمر مجموعة شراكة ضمت «شبكة تدقيق الحقائق العالمية» و«مشروع صحافة الفيس بوك» وعدداً من الجهات الإعلامية.

وقدّمت صناعة «تدقيق الحقائق» للعالم خدمات جليلة، رغم عمرها القصير، وعلى سبيل الإشارة السريعة، واجهت الصناعة شائعة انتشرت في كل من النمسا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والسويد، زعمت -أي الشائعة- أن «أعداداً هائلة من اللاجئين يحتشدون على نقطة حدودية في كرواتيا، استعداداً لاختراق دول الاتحاد الأوروبي وهم يحملون لوغو (مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة)، بعد أن سلح الملياردير جورج سوروس، كما تمضي الشائعة، كل لاجئ بماستر كارد له رصيد معتبر».

مدققو الخبر اكتشفوا عند تحليله أنه لا ينطلق من فراغ، وهنا الخطورة، فقد تبينوا أن الخبر مركب من أجزاء، كل منها ليس ببعيد عن شيء من الحقيقة: فالمفوضية توزع «فيزا كارد» فعلاً على لاجئين، لكن هذا يتم في اليونان بهدف صرف المساعدة، وبضمانة ألا تصلح بطاقة الفيزا خارج النطاق الذي خصصت له، أي اليونان، كما أن «جورج سوروس» وقع اتفاقاً ما مع «ماستر كارد» بشأن لاجئين، ولكن في قصة أخرى وفي ظروف أخرى لا علاقة لها بـ«معركة غزو أوروبا» المفبركة.

كذلك واجه مدققو الأخبار معركة أخرى لا تقل ضراوة عن المعركة الأوروبية في أقاصي آسيا، حين تم ترويج خبر مزيف على «الواتس أب» عن اختطاف طفل في ولاية «كرناتاكا» الهندية، وتسبب الأمر في تداعيات خطيرة كادت أن تنتهي بكارثة، في نطاق مكاني يبلغ مستخدمو الواتس فيه قرابة 200 مليون مستخدم.

واستطاعت «صناعة تدقيق الأخبار» خلال اطلالتها السريعة على عالم الإعلام ان تكتسب احترام وتقدير الكثيرين، ففي العام الماضي أضافت «وكالة الأنباء الفرنسية» لجهود القائمين على هذه الصناعة، مشروعاً ريادياً لمقاومة الأخبار المزيفة في 13 دولة، كما انضمت دول ذات وزن لهذه الجهود مثل روسيا وإسبانيا، فأعلنت عن مشروعات قومية في هذا الاتجاه، وأطلقت شبكة «بي.بي.سي» البريطانية العريقة سلسلة تحقيقات عن الأخبار المزيفة، أما «واتس أب» فقد خصصت 20 جائزة قيمة كل منها 50 ألف دولار، لمن يكشف كيف انتشرت معلومة مزيفة على منصتها.

وعلى الرغم من الضراوة التي تعيشها معركة تدقيق الأخبار مع مجالها الخارجي، أي مع مروجي الأخبار المزيفة، الا أن المعركة الأشرس هي تلك التي تخوضها في فضائها الداخلي في ما يخص معاييرها ومنهجيتها.

فصحيح أن الميثاق الأخلاقي لـ«الشبكة العالمية لتدقيق الحقائق» تشدّد على أن «يستخدم المدقق المعيار نفسه في حكمه على الأطراف المختلفة للخبر»، وأن «يتبع الإجراءات نفسها في تدقيق كل خبر يتقصاه»، وأن «يتابع شفافية المصادر الصحافية»، وأن «يلتزم المدققون أنفسهم بشفافية التمويل» و«شفافية المنهج» و«معايير الاختيار» وفتح قنوات لرقابة القارئ، إلا أن هذه مبادئ عمومية لطالما ذكرت في كل مجلس، وما لم يحرسها حضور قوي من الضعفاء ستتحول شئنا أم أبينا لمحفل أقوياء.

صحافة مجتمعاتنا بحاجة إلى ألا تكون بعيدة عن هذه الجهود، قد يكون في ذلك رافعة إضافية لتقريبها من الحقيقة.


قدمت صناعة

«تدقيق الحقائق»

للعالم خدمات جليلة،

رغم عمرها القصير.

طباعة