حرائق أوروبا وفيضانات نيبال وجهان لأزمة واحدة

التغير المناخي يكشف فجوة كبيرة بين الدول الغنية والفقيرة في القدرة على الاستجابة

كلفة إعادة بناء المناطق المتضررة من فيضانات نيبال قد تصل إلى 10% من إجمالي اقتصاد البلاد. من المصدر

يحدث التدهور المناخي على كوكب واحد، لكنه يكشف عن عالمين مختلفين تماماً في حجم المعاناة والقدرة على مواجهتها، ففي أحدهما تمتد آثار تغير المناخ إلى تفاصيل الحياة اليومية، فتطول فترات المعاناة وتتكرر موجات الألم، في صورة صيف أطول وأكثر حرارة، تتخلله حرائق غابات مفاجئة وعمليات إجلاء، وقد تتحول المنازل إلى رماد خلال ساعات قليلة، أما في العالم الآخر فإن المشهد يتخذ شكل الكارثة الشاملة.

وقد شكّل صيف هذا العام نموذجاً مصغراً لهذا التناقض، حيث إنه في الوقت الذي سجلت أجزاء من أوروبا أعلى درجات حرارة في تاريخها، اجتاحت الفيضانات العارمة نيبال، حاملة معها المياه والطين والجليد، ما أسفر عن وفاة نحو 1000 شخص حتى الآن، بينما لايزال الآلاف في عداد المفقودين.

ويكمن الفارق الأساسي بين هذين العالمين في تفاوت الموارد والقدرة على الاستجابة، صحيح أن أزمة المناخ تفرض تكاليف اقتصادية على الجميع، إلا أن بعض الدول تمتلك من الإمكانات ما يسمح لها بامتصاص هذه الصدمات والتعافي منها بصورة أفضل، ففي أوروبا، على سبيل المثال، شملت الاستجابة لحرائق الغابات تحركاً سريعاً من الحكومة الفرنسية لتقديم مجموعة واسعة من أشكال الدعم، بدءاً من الإعفاءات الضريبية للشركات المتضررة، وصولاً إلى تحمل تكاليف إعادة التوطين وتقديم المساعدات لإعادة بناء المنازل.

كما خصصت الحكومة البريطانية نحو 100 مليون جنيه إسترليني، قبل حلول الصيف، لتعزيز قدراتها على مواجهة حرائق الغابات.

صناعة متكاملة

ولم تعد مواجهة آثار التغير المناخي مجرد استجابة طارئة، بل أصبحت صناعة متكاملة في العديد من الدول الغنية، تدعمها التكنولوجيا المتقدمة والموارد المالية والقطاعات المتخصصة، فعلى سبيل المثال، يعتمد التأمين ضد حرائق الغابات في الولايات المتحدة بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي، الذي يستخدم البيانات لتقدير مستويات المخاطر، وفقاً لموقع العقار ومواد البناء، وغيرها من العوامل.

لكن هذا النوع من الدعم يكاد يكون غائباً في مناطق واسعة خارج أميركا الشمالية وأوروبا، وهو ما يؤدي إلى اتساع فجوة عدم المساواة بين دول العالم في مواجهة تغير المناخ.

ورغم أن الدول المتقدمة ستواصل هي الأخرى مواجهة ضغوط متصاعدة مع تزايد وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة واستمرارها، فإنها تظل أكثر قدرة على التعامل مع تداعياتها، مقارنة بالدول الفقيرة.

ومع ذلك، فإن هذه الدول ليست بمنأى عن التأثيرات العالمية للأزمة، مثل ارتفاع أسعار الغذاء، والجفاف، ونقص المياه، غير أن حجم الأضرار وعمق تأثيرها يختلفان بصورة كبيرة من منطقة إلى أخرى.

ويبدو هذا التفاوت أكثر وضوحاً عند النظر إلى حجم الموارد المطلوبة لإعادة الإعمار، فقد تصل كلفة إعادة بناء المناطق المتضررة من الفيضانات في نيبال إلى نحو 10% من إجمالي اقتصاد البلاد، أي ما يقارب خمسة مليارات دولار، وذلك من دون احتساب المساعدات الفنية والمعدات والخبرات والعمالة التي ستحتاج إليها البلاد لإتمام عملية التعافي.

الحر الشديد

وتبرز موجات الحر الشديد مثالاً آخر على هذا التفاوت، فالمشكلة لا تتمثل فقط في ارتفاع درجات الحرارة في المناطق المعتدلة، وإنما في الارتفاع الحاد للحرارة في المناطق التي تعاني أصلاً درجات مرتفعة.

وقد أظهرت تقديرات مؤشر «هاربر» للوفيات المرتبطة بالحرارة في الهند أرقاماً مقلقة، حيث أشارت إلى نحو 3400 وفاة إضافية مرتبطة بيوم واحد من الحر الشديد، ونحو 30 ألف وفاة مرتبطة بخمسة أيام متتالية من موجات الحر.

وفي أبريل الماضي، كانت المدن الـ50 الأكثر حرارة في العالم جميعها في الهند، وفقاً لمنصة مراقبة جودة الهواء (إيه.كيو.آي)، في ظاهرة نادرة وفقاً للبيانات المناخية الحديثة.

وتشكل موجات الحر هذه ضربة مضاعفة للمجتمعات الفقيرة التي تفتقر إلى أنظمة إيواء كافية، أو إلى وسائل تبريد فعالة، أو إلى إمدادات غير محدودة من المياه العذبة، ويطلق على هذه المناطق اسم «بؤر الانهيار المناخي»، وهي مناطق تتداخل فيها التأثيرات البيئية والمادية الشديدة لتغير المناخ مع الكثافة السكانية المرتفعة، ووجود مجتمعات فقيرة وهشة.

خطر المجاعة

وفي الوقت نفسه، تعاني دول فقيرة وهشة عديدة، اضطراب أنماط هطول الأمطار المرتبط بظاهرة «النينيو»، ما يؤدي إلى جفاف الأراضي والأنهار، ويزيد خطر المجاعة بين السكان الذين يعانون أصلاً مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وهكذا تدفع الدول الأكثر فقراً وهشاشة ثمناً باهظاً لانبعاثات تراكمت تاريخياً في الدول الغنية، من دون أن تحصل بالقدر الكافي على الدعم أو التعويضات اللازمة من الدول التي راكمت ثرواتها من الصناعات التي أسهمت في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وأزمة المناخ.

ولا تقتصر القضية هنا على المطالبة بالعدالة المناخية، بل تمتد إلى مواجهة مناخ سياسي عالمي أصبح أكثر اضطراباً في السنوات الأخيرة، ومع التدقيق في المشهد، يتضح أن المشكلة لم تعد مجرد نتيجة لإخفاقات تاريخية، وإنما باتت مرتبطة أيضاً بسياسات وقرارات متعمدة يمكن أن تزيد هشاشة الدول التي تعاني أصلاً تداعيات تغير المناخ.

عن «الغارديان»


آثار تتجاوز الحدود

قد تبدو الفيضانات والمجاعات والجفاف أزمات تخص مجتمعات أخرى، لكن آثارها غير المباشرة سرعان ما تتجاوز الحدود، من خلال اضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الغذاء، والأزمات السياسية، وتدفقات اللاجئين، وغيرها من التداعيات التي يمكن أن تصل إلى مختلف أنحاء العالم.

وستكون آثار تغير المناخ أكثر قسوة في المناطق التي تعاني أصلاً الفقر والهشاشة، لكن من الصعب على المدى الطويل أن يعزل أي مجتمع نفسه عن هذه التداعيات.

. مواجهة آثار التغير المناخي لم تعد مجرد استجابة طارئة، بل أصبحت صناعة متكاملة في العديد من الدول الغنية.

تويتر