تراجع اللجوء إليه بعد المضادات الحيوية واختبارات التشخيص

الحجر الصحي لمكافحة الفيروسات.. تضحية بالحقوق الفردية من أجل المصلحة الجماعية

صورة

يتأهب العالم لمواجهة انتشار فيروس «كورونا» الجديد في وقت يتسابق فيه فريق بناء، في الصين، لإنشاء مستشفى جديد بسعة 1000 سرير، في ستة أيام فقط. ومع انتشار الفيروس في واحدة من أكبر مدن العالم، لا يُسمح لأي شخص بالمغادرة. وعندما وصل عدد الضحايا في ووهان إلى 15، قبل أيام، أعلن مسؤولون حكوميون بداية الحجر الصحي. ومن ثم، توقفت القطارات والرحلات الجوية ووسائل النقل العام. وحثت السلطات السكان على البقاء في المنازل، وارتداء الأقنعة إذا كان يجب عليهم الخروج، كما طالبتهم بـ«عدم نشر شائعات تنذر بالخطر». واعتباراً من الأسبوع الماضي، فرضت المقاطعة الحجر الصحي، بشكل أساسي على نحو 35 مليون شخص، أي عدد سكان 10 مدن أميركية مجتمعة.

إنه تدخّل غير مسبوق، وفي جميع أنحاء العالم تراجعت أسواق الأسهم. واستقطبت صور للأطباء وموظفي الصحة الذين يرتدون بدلات كاملة، وهم يفحصون جبهات الركاب على متن الطائرات، الاهتمام والقلق الشديد من خطورة الوضع.

وكان الحجر الصحي شائعاً خلال العصور الوسطى في أوروبا، واستمر في كونه الوسيلة الأساسية للسيطرة على تفشي الطاعون حتى عام 1900. وبعد ظهور المضادات الحيوية واختبارات التشخيص، بدأت الأضرار النسبية تفوق الفوائد. ووُضعت اتفاقات دولية للحد من هذه الممارسة باعتبارها مسألة مثيرة للجدل، بسبب العبء الذي تفرضه على الناس والاقتصادات، بالإضافة إلى الأسئلة الأساسية المتعلقة بالفعالية. ويمكن استخدام الحجر الصحي في الحالات المعزولة، خصوصاً قبل تفشي المرض. لكن في الصين، تم الإبلاغ عن الفيروس الجديد، أول مرة، لمنظمة الصحة العالمية، منذ ثلاثة أسابيع فقط، ومنذ ذلك الحين تم رصده في اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة وتايلاند وسنغافورة وفيتنام، ويعتقد الخبراء أن أي فرصة للاحتواء الفعال قد ضاعت.

سيناريوهات الطوارئ

بعد فترة وجيزة من الإعلان عن الحجر الصحي، ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» وجود زيادة في أسعار المواد الغذائية في ووهان. وأبلغ بعض المواطنين عن خلو بقالات من السلع؛ في حين تداولت وسائل التواصل الاجتماعي منشورات عن أشخاص لا يستطيعون الوصول إلى المرافق الطبية لإجراء الاختبارات الفيروسية.

الحجة الأساسية للحجر الصحي هي أنه في سيناريوهات الطوارئ، يجب التضحية بالحقوق الفردية من أجل المصلحة الجماعية. وفي الولايات المتحدة، يكون الأساس الدستوري للحجر الصحي في مكان ما بين ضعيف وغير موجود، وهذا يتوقف على الخبراء القانونيين. ووفقاً لأستاذ القانون في جامعة أريزونا، جيمس هودج، فإن فرض قيود على مجموعة كبيرة من السكان قد يؤدي إلى بعض التضييق، وغير دستوري في الولايات المتحدة. وشكك خبير آخر، هو الباحث القانوني بجامعة «جورج تاون»، ألكسندرا فيلان، في رد الفعل على وباء كورونا، معتبراً إياه بالمبالغ فيه.

لكن الأزمات تدعو إلى إجراءات غير عادية لسلطة الدولة في أي مكان. وقد سعت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية في أميركا لاحتجاز أشخاص في عام 2018، على الرغم من مخاوف بعض المدافعين عن حقوق الإنسان والهيئات القانونية. وفي عام 2014، وقبل أن يصبح رئيساً، دعا دونالد ترامب إلى العزل الصارم، خلال تفشي فيروس «إيبولا»، بما في ذلك تعليق جميع الرحلات الجوية من وإلى الولايات المتضررة.

دروس مستفادة

وراقبت إدارة الرئيس باراك أوباما نحو 10 آلاف أميركي، لمدة 21 يوماً، واكتُشفت حالات الإصابة بفيروس «إيبولا». وقررت السلطات الصحية إبقاء عامل في مجال الرعاية الصحية كان في ليبيريا بالحجر الصحي، في ولاية كونيتيكت، على الرغم من أن نتيجة اختباره كانت سلبية، ما دفع إلى رفع دعوى قضائية من قبل جمعيات مدنية، التي ادعت أن الحجر الصحي لمرضى «إيبولا»، ينتهك الحقوق الفردية، ويقوض الجهود المبذولة في غرب إفريقيا.

في العام الماضي، صمم مركز «جونز هوبكنز» للأمن الصحي نموذجاً لما يمكن أن يحدث إذا وصل تفشي فيروس كورونا إلى الولايات المتحدة، ووجد أنه يمكن أن يصيب نحو 65 مليون شخص. ومن بين الدروس المستفادة من النموذج أنه لا يمكن لأي بلد أن يكون جاهزاً بمفرده. إلى ذلك، قال خبراء إن الاستجابة العالمية المنسقة هي مفتاح فهم مثل هذا التفشي؛ بما في ذلك كيف ينتشر، وكيفية اكتشاف وعلاج المرض، والوقاية من انتشاره.

وسيلة فعالة

وأثنى علماء أميركيون على زملائهم الصينيين لمشاركتهم بسرعة جينوم الفيروس مع بقية العالم. وأبلغ العلماء في المعاهد الوطنية للصحة، هذا الأسبوع، أنهم يعملون بالفعل على نموذج أولي للقاح، والذي قد يكون متاحاً في غضون ثلاثة أشهر. وأطلق العلماء في جامعة «جونز هوبكنز»، موقعاً للحصول على معلومات جينية وخريطة للحالات.

من ناحية أخرى، يقول الرئيس السابق للجمعية الأميركية لطب المناطق المدارية والنظافة، تشاندي جون: «مازال الوقت مبكراً نسبياً في ما يتعلق بتفشي المرض، وبالتالي فإن الوقاية بعدم السفر هي وسيلة فعالة لاحتوائه في منطقة ما، لاسيما أن (ووهان) تبدو مركزاً رئيساً للنقل والسفر في الصين»، متابعاً «إن حظر السفر يقلل من خطر نقل سكان ووهان أو المدن القريبة التي تحمل الفيروس، الوباء، إلى مكان آخر». ويوضح جون، الذي يعمل أستاذاً لطب الأطفال بجامعة إنديانا «من وجهة النظر هذه، أعتقد أنه يمكن أن يكون فعالاً في الحد من الانتشار، لكن هناك شيء أقل قسوة من تقييد كل السفر، مثل إخبار الأفراد الذين يعانون أعراض العدوى بالبقاء في منازلهم».


ثقافة محلية

إن فرض الحجر الصحي على مدينة كبيرة بأكملها، أو مدن عدة، ليس مقاربة من شأنها أن تنجح في أماكن أخرى. وفي ذلك يقول عالم البيولوجيا في كلية الطب بجامعة نيويورك، آرثر كابلان: «لا يمكن أبداً فرض حجر صحي على مدينة بحجم نيويورك، مثلاً»، مشيراً إلى أن السلطات الأميركية لم تستطع حتى إنفاذ حجر صحي فُرض على ممرضة عادت إلى البلاد، بعد مهمة لعلاج مرضى إيبولا في سيراليون، في عام 2014.

ويوضح كابلان «سواء كان الأمر أكثر فاعلية في فرض الحجر الصحي على المدن، كما فعلت الصين، أو مجرد دعوة الأفراد الذين يشعرون بالمرض الى البقاء في منازلهم، فهي مسألة متعلقة بالثقافة المحلية».

10

آلاف أميركي وضعوا تحت المراقبة في زمن إدارة باراك أوباما لمدة 21 يوماً.

حياة مقبولة

عندما تقرر أي حكومة فرض الحجر الصحي على شخص ما، يجب أن تضمن أن يتمتع المتضررون بنوعية حياة مقبولة، كما يقول عالم البيولوجيا في كلية الطب بجامعة نيويورك، آرثر كابلان. وإذا تم «إبقاء شخص ما في غرفة من دون تلفزيون، أو تدفئة أو مياه جارية، فهذا أمر غير مقبول على سبيل المثال»، متابعاً «إن عدم السماح لشخص ما بمغادرة مدينة يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة» ليس بالأمر الثقيل للغاية، على الأقل حتى يتم معرفة المزيد عن الفيروس ومدى خطورته.

وللحجر تداعيات اجتماعية، أيضاً، خصوصاً بالنسبة للأفراد المهمشين في المجتمع. ويقول خبراء إنه من الناحية التاريخية، يمكن للسيطرة الصارمة اللازمة في الحجر الصحي، أن تربط المرض بالأشخاص المهمشين، وقد تزيد من المخاوف القائمة بشأن شرائح معينة.

وفي 1901، عمدت السلطات في كيب تاون، إلى إنشاء معسكرات للحجر الصحي مفصولة عنصرياً، بعد تفشي الطاعون، وهو الإجراء الذي استخدم لاحقاً كمخطط للتمييز العنصري أثناء حقبة الفصل العنصري.

في المقابل، غالباً ما يكون للحجر الصحي آثار اقتصادية ومالية؛ إذ يتوقف تدفق التجارة من وإلى منطقة الحجر، ويمكن أن تتعرض البضائع التي يتم شحنها للتلف، اعتماداً على المدة التي تستغرقها العملية.

الحجر الصحي في كيب تاون استهدف الفئات المهمشة. أرشيفية

حالات الحجر الصحي

حمى التيفوس في نيويورك (1892)

تم حجر 70 مهاجراً روسياً، ووُضعوا وحُجزوا في خيام بجزيرة قبالة المدينة، وتبين أن سفن المهاجرين القادمة من روسيا هي مصدر الوباء.

طاعون سان فرانسيسكو (1900)

قامت سلطات المدينة بعزل مجمع سكني، في الحي الصيني، بالأسلاك الشائكة، بعد السماح لجميع السكان البيض بالمغادرة. وكان الخوف من انتشار الطاعون، بعد العثور على جثة مهاجر صيني في قبو فندق.

الإنفلونزا في أوروبا والولايات المتحدة (1917-1919)

استدعى هذا الوباء العالمي فرض حجر صحي واسع النطاق، وكذلك تعليق الدراسة في أوروبا، وفرض حظر على التجمعات العامة في أجزاء من أميركا.

وباء «سارس» في كندا (2003)

على الرغم من أن وباء المتلازمة التنفسية الحادة (سارس)، في عام 2003، أدى إلى فرض الحجر الصحي في بلدان عدة، إلا أن استجابة كندا غير متناسبة مع هذه المخاطر، بشكل كبير.

إيبولا في ليبيريا وسيراليون (2014)

تم تطويق حي «ويست بوينت»، في ليبيريا، لمدة 10 أيام، في أغسطس، بعد أن داهم السكان مركزاً للمرضى المشتبه فيهم. وهرب المرضى إلى الأحياء الفقيرة المكتظة بالسكان، ما دفع الحكومة لعزل تلك الأحياء لمدة 21 يوماً.

طباعة