القمم مع «شي» ومفهوم «جي 2» يعززان مكانة بكين في قيادة النظام الدولي.. ويثيران مخاوف حلفاء واشنطن
ترامب يضع الصين في موقع «الند» للولايات المتحدة
لطالما سعت الصين، على مدى سنوات طويلة، إلى ترسيخ مكانتها باعتبارها نداً للقوة الوحيدة التي ينطوي اعترافها بهذه المكانة على ثقل استراتيجي حاسم، ويبدو أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قدم لبكين هذه الهدية، من خلال عقد قمم متكررة مع الرئيس الصيني، شي جين بينغ، والتعامل مع العلاقة بين البلدين على أساس مفهوم «مجموعة الدولتين» أو «جي 2»، بما يضع الصين في موقع الند الاستراتيجي الرئيس للولايات المتحدة.
وفي الواقع، فإن استضافة الرئيس الصيني، شي جين بينغ في زيارة الدولة الأخيرة إلى الولايات المتحدة، في الوقت الذي كان فيه قادة دول العالم يتجمعون في الأمم المتحدة، أظهرت العلاقة بين واشنطن وبكين، وكأنها تمثل المحور القطبي للعالم، وهي صورة قد تثير استياء حلفاء واشنطن وشركائها، من اليابان والهند وأستراليا والفلبين وفيتنام وكوريا الجنوبية، إلى الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي «الناتو».
خطوة غير مسبوقة
وكان من الصعب تجاهل الرمزية التي أحاطت بقمة ترامب وشي، حيث اتخذ ترامب خطوة غير مسبوقة تخالف الأعراف الدبلوماسية الأميركية، عندما توجه شخصياً إلى قاعدة «أندروز» المشتركة في ولاية ماريلاند لاستقبال الرئيس شي، في مراسم فخمة تضمنت سجادة حمراء اصطف على جانبيها أفراد من القوات المسلحة الأميركية، إلى جانب عرض جوي عسكري شاركت فيه قاذفتان من طراز «بي-1».
وفي صباح اليوم التالي استقبل حرس الشرف العسكري، المكون من 479 عنصراً، الرئيس الصيني خلال مراسم وصوله إلى البيت الأبيض، فيما تخللت المراسم طلعة لقاذفة القنابل «بي-2 سبيريت» بمرافقة أربع مقاتلات من طراز «إف-22 رابتور»، وإلى جانب مأدبة العشاء الرسمية، تضمنت زيارة شي جولة في الأرشيف الوطني رافقه خلالها ترامب شخصياً.
رسالة قوية
وقد بعثت هذه المظاهر الاحتفالية برسالة قوية مفادها أن زعيمَي القوتين العظميين الأبرز في العالم يلتقيان على قدم المساواة.
غير أن لغة ترامب الخاصة كانت، في نظر منتقدي هذا النهج، أكثر دلالة وكشفاً عن طبيعة العلاقة من مظاهر الفخامة التي رافقت القمم مع شي، فقد دأب الرئيس الأميركي مراراً على وصف لقاءاته مع نظيره الصيني بأنها اجتماعات ضمن إطار «جي 2»، ووصف ترامب لقاءه مع شي في أكثر من مناسبة بأنه اجتماع «جي 2».
وقبيل قمة أكتوبر الماضي في بوسان بكوريا الجنوبية، أعلن ترامب عبر موقع «تروث سوشال»: «ستجتمع جي 2 قريباً»، ثم أعلن لاحقاً عن «اجتماعي جي 2 بالرئيس الصيني».
كما أعاد ترامب إحياء مصطلح «جي 2» خلال زيارته إلى بكين، في مايو الماضي، في خطوة ربما كان الهدف منها تسليط الضوء على النهاية الرسمية لعصر القطب الأحادي، وبينما كان الرؤساء الأميركيون السابقون يتجنبون بحذر إضفاء الشرعية على مساعي الصين للحصول على مكانة الند، فإن استخدام ترامب لمفهوم «جي 2» خلال لقاءاته الصحافية عكس حقيقة مفادها أن الولايات المتحدة باتت تتعامل مع الصين باعتبارها نداً حقيقياً لها.
احترام لافت
وأظهر ترامب كذلك موقفاً يتسم باحترام لافت تجاه المنافس الجيوسياسي الرئيسي للولايات المتحدة، فخلال الفترة التي سبقت زيارة شي إلى واشنطن، قلل الرئيس الأميركي من شأن تقارير تتحدث عن ممارسات صينية ضد أميركا، من بينها تزويد إيران بصور أقمار صناعية يمكن استخدامها لاستهداف أصول أميركية، أو قدم تفسيرات مخففة لها، وفي الوقت ذاته، صور ترامب الزعيم الصيني باعتباره صديقاً شخصياً، مؤكداً أنه «لم يسبق له أن تمتع بعلاقة طيبة» مع شي كما هي الحال الآن.
ولطالما رفضت بكين الهيمنة الأميركية، وسعت في الوقت نفسه إلى الحصول على معاملة متكافئة من واشنطن، وكانت العبارة المفضلة لدى القيادة الصينية هي «نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى»، وهي صيغة تقوم على الدعوة إلى الاحترام المتبادل للمصالح الجوهرية لكل طرف، بما في ذلك النظام الشيوعي في الصين ومطالبها الإقليمية.
ولم يكن الهدف من هذا الطرح إنشاء مؤسسة رسمية تحمل اسم «جي 2»، وإنما ترسيخ فكرة أنه لا يمكن حسم أي قضية عالمية كبرى من دون مشاركة الصين، وقد أسهمت دبلوماسية القمم التي انتهجها ترامب في تقريب بكين كثيراً من تحقيق هذا الهدف.
مكسب دعائي
وعلى الرغم من أن القمة الأخيرة ربما لم تسفر سوى عن القليل من النتائج الملموسة، حيث لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن أي من القضايا الثنائية الخلافية، واقتصر تمديد الهدنة في الحرب التجارية على شهرين فقط، فإن الزيارة شكلت، بالنسبة إلى الرئيس شي، ما يمكن وصفه بأنه مكسب دعائي كبير، فقد أوصلت رسالة إلى الشعب الصيني وإلى العالم بأسره مفادها أن الصين، في ظل قيادته، أصبحت نداً للولايات المتحدة.
وعززت المشاهد التي أحاطت بالقمة السردية التي تتبناها بكين حول «النهضة الوطنية» بقيادة شي، كما ساعدت دبلوماسية القمم هذه الصين على المضي قدماً نحو تحقيق أحد الأهداف الرئيسة لرسالتها الاستراتيجية الأوسع، والمتمثل في إثبات أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض شروطها بشكل أحادي الجانب، سواء أمام جمهورها المحلي أو أمام المجتمع الدولي.
ويمثل سعي ترامب إلى كسب ود شي تحولاً لافتاً مقارنة بولايته الأولى، عندما كانت الرسوم الجمركية والعقوبات والقيود التكنولوجية تستخدم كأدوات لإعادة تشكيل سلوك الصين، أما اليوم فلم يعد الهدف المعلن لواشنطن تغيير الصين، وإنما إدارة التنافس الاستراتيجي من خلال مفاوضات مباشرة بين الزعيمين، حتى لو تطلب ذلك التعامل مع أكبر نظام يوصف بـ«غير الديمقراطي» في العالم باعتباره طرفاً نداً على الساحة الدولية.
شريك مميز
صحيح أن الصين لاتزال أدنى من الولايات المتحدة من حيث القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية، إلا أن التنافس بين الأنداد لا يتطلب بالضرورة تماثلاً كاملاً في القدرات، فالمعيار الحاسم يكمن في القدرة على مقاومة الإكراه، وصياغة المآلات الدولية بصورة مستقلة.
وعندما ردت بكين العام الماضي على الرسوم الجمركية الأميركية بتقييد صادرات المعادن الأرضية النادرة، لم تكتفِ بإثبات أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يمكن أن يكون سلاحاً ذا حدين، بل أظهرت أيضاً قدرتها على فرض تكاليف انتقامية على الولايات المتحدة.
ولا تكمن المشكلة، وفق هذا الطرح، في الانخراط مع منافس قوي بهدف تجنب الحسابات الخاطئة والمكلفة، وإنما في رفع مكانة الصين علناً لتصبح شريكاً مميزاً في ترتيب ثنائي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، ومن المرجح أن يكون الخاسرون الحقيقيون من هذا النهج هم حلفاء أميركا وشركاؤها، الذين قد يجري تهميش مصالحهم لمصلحة الصفقات التي تبرمها واشنطن وبكين، الأمر الذي قد يدفعهم إلى التحوط من احتمال عدم موثوقية الولايات المتحدة.
لقد حققت الصين أعظم مكاسبها الدبلوماسية خلال السنوات الأخيرة، ليس في ميادين المعارك أو من خلال الإكراه الاقتصادي، وإنما في واشنطن، حيث أقر ترامب بأحقية بكين في الحصول على مكانة الند بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وبالنسبة إلى الرئيس الصيني، ربما لم يكن من الممكن لأي تنازل أن يحقق مكسباً أثمن من اعتراف الولايات المتحدة نفسها بالصين باعتبارها شريكاً في قيادة النظام الدولي.
عن «ذا هيل»
هاجس استراتيجي
يمثل احتمال قيام ثنائية مهيمنة بين الولايات المتحدة والصين، تتفاوض فيها واشنطن وبكين على قواعد الحوكمة العالمية، بينما تتكيف بقية الدول مع النتائج، هاجساً استراتيجياً بالنسبة إلى أصدقاء واشنطن في آسيا على وجه الخصوص، حيث إنهم يسعون إلى توازن مستقر للقوى، وليس إلى نظام تكون فيه الصين القوة المركزية والأكثر نفوذاً في آسيا.
ومن المرجح أن يكتسب نهج البيت الأبيض القائم على المهادنة زخماً أكبر، لاسيما في ظل إشارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى عزمه لقاء نظيره الصيني شي جين بينغ، مجدداً، خلال نوفمبر وديسمبر المقبلين، أولاً في اجتماع قادة دول «منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي» (أبيك) في مدينة شنجين الصينية، ثم خلال قمة مجموعة العشرين في ميامي.
• لطالما رفضت بكين الهيمنة الأميركية، وسعت في الوقت نفسه إلى الحصول على معاملة متكافئة من واشنطن.
• ترامب حرص مراراً على وصف لقاءاته مع نظيره الصيني بأنها اجتماعات ضمن إطار «مجموعة الدولتين».
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news