محسنة اعتُقلت دفاعاً عن مواقفها.. وغنّى باسمها الشيخ إمام.. وشاركت في تظاهرات يناير

رحيل صاحبة أشهر صيحة «حنحارب» بعد هزيمة 1967

صورة

شيّعت القاهرة، الثلاثاء الماضي، جثمان الفنانة، محسنة توفيق، التي عُرفت بالجمع بين الإبداع الفني والالتزام الوطني والسياسي، منذ بدء مسيرتها، واعتُقلت في الستينات دفاعاً عن أفكارها ومواقفها، ثم تصدّر اسمها الساحة بعد ظهورها في فيلم «العصفور» للمخرج العالمي، يوسف شاهين، الذي صوّر بجرأة غير محسوبة، عمق جرح هزيمة العرب عام 1967 في حربهم مع إسرائيل، حيث مثلت دور «بهية» التي غنى باسمها الشيخ إمام عيسى أغنيته الشهيرة «مصر يامه يا بهية»، ما حدا بالسلطات إلى حظر الفيلم وقتئذ، فتم تهريبه ليشاهد سراً في بيروت والعواصم الغربية، كما واصلت محسنة توفيق مسيرتها، حيث عارضت اتفاقية «كامب ديفيد»، والتحقت بلجان مقاومة التطبيع مع إسرائيل، وبلجان دعم الثورة الفلسطينية، كما عرف عنها أنها، رغم ظروفها الصحية، كانت بمقدمة الصفوف في تظاهرات يناير 2011.

وعبّرت أصوات واسعة في الوسط الثقافي والفني والسياسي المصري، عقب إعلان خبر رحيل محسنة توفيق (80 عاماً) عن إحساسها بالصدمة، وافتقاد فنانة صاحبة موقف وقضية، كما نعتها رسمياً وزارة الثقافة المصرية من خلال بيان قالت فيه: «إن الإبداع الدرامي فقد إحدى علاماته التي تميزت بالأداء الفني الصادق».

بدأت محسنة توفيق (مواليد 1939) مسيرتها الفنية بالمسرح المدرسي حين كانت طالبة وعمرها تسع سنوات، في مسرحية تحمل عنوان «جميلة»، ودخلت عالم المسرح عام 1962، ومثلت في مسرحيات «منين أجيب ناس» و«حاملات القرابين» و«عفاريت مصر الجديدة»، وحصلت على بكالوريوس الزراعة عام 1968. ودخلت عالم السينما عام 1971، بفيلم «حادث شرف» 1971، ثم بفيلم «العصفور» 1972، وهي شقيقة مذيعة الأطفال الشهيرة المعروفة باسم «أبلة فضيلة»، وشقيقة مغنية الأوبرا يسرا توفيق.

وقالت محسنة توفيق في آخر ندوة سينمائية شاركت فيها بأسوان، إنها استُبعدت من المشاركات في الأعمال التلفزيونية بسبب مواقفها السياسية، وأضافت: «طُلب مني تغيير مواقفي السياسية، لكنني لم أفعل، فقد كنت دائماً أسأل نفسي عن سبب تظاهر العمال والطلبة منذ أن كنت صغيرة، وعرفت أنهم عانوا من الضغط والكبت وسوء المعيشة، وظلت حكايات كتلك تلازمني في حياتي، ودائماً أنظر إلى الظروف والأوضاع وآخذ بالأسباب». وقالت «قررت أن أعيش وسط الناس، وذهبت للمخيمات الفلسطينية، وتعلمت منهم الإصرار والتحدي».

وروت محسنة توفيق خلفيات أدائها لدور «بهية» في فيلم «العصفور»، الذي ميزها في السينما العربية، فقالت إن «لقاءها بيوسف شاهين كان محطة فارقة، إحساس (جو) بالناس عالٍ جداً، قال لي أثناء تصوير دور (بهية) لا تبكي، اصرخي وهاجمي فقط لكن لا تبكي، فالتزمت بذلك، لكن بمجرد إطفاء الكاميرا بكيت بحرقة»، وتابعت توفيق «كنت أعرف أنه لابد من أن أتماسك أمام الكاميرا لأعبر عن تماسك شعبي لحظتها».

وقال الكاتب الصحافي أمين حزب التحالف الشعبي، مدحت الزاهد: «تشاركنا مع الفنانة محسنة توفيق في تأسيس لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، بعد مبادرة (الرئيس السابق أنور) السادات بزيارة إسرائيل وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، وذلك في مواجهة التطبيع وتزييف الوعي الوطني، وقد عبرت عن ضمير الوطن والشعب».

وتابع الزاهد «تشاركنا مع الفنانة الجميلة في قوافل دعم انتفاضة الشعب الفلسطيني، التي انطلقت من القاهرة إلى العريش ورفح محملة بالأغذية والأدوية إلى الشعب المحاصر، وحرقت معنا أعلام إسرائيل، وداستها معنا بالأقدام، وهتفت معنا مليون علم لفلسطين».

وتشاركنا في مواجهة الغزو الأميركي للعراق، وفي شعار عيش حرية عدالة اجتماعية وكرامة إنسانية في ثورة يناير، وفي كل معارك الدفاع عن الشعب والوطن.

وقال الشاعر، تميم البرغوثي، في رثائها «أراها (محسنة توفيق) واقفة إلى جانب أمي (تميم ابن الكاتب الفلسطيني مريد البرغوثي، والكاتبة الراحلة المصرية رضوى عاشور)، يدها على جبيني تقيس حرارتي إثر مرض مفاجئ وأنا طفل في الـ12، وأراها واقفة مع الملايين في تظاهرات جمعة الغضب في 28 يناير 2011 ويدها على عكازها، تقع وتقف ثانية ولا تعود للوراء».

عزلها أنور السادات من التمثيل بسبب موقفها من كامب ديفيد، وحاول الرئيس السابق حسني مبارك أن يحاصرها ويعزلها عن الناس فازدادت من الناس قرباً، مشهدها في فيلم «العصفور» وهي تصيح في الشوارع «حنحارب» بعد هزيمة 1967، عاشته في الحقيقة، عاشته في ذلك اليوم من يونيو 67 ولـ50 عاماً بعده.

على الصعيد الإنساني، كتب زوج ابنتها، أكرم صفوت، على صفحته بالـ«فيس بوك»: «عندما عرفت عزة (ابنتها) ودخلت بيتها لأتعرف بأهلها، كنت متوجساً جداً من مقابلة محسنة توفيق، كنت متهيباً أن أقابل الممثلة الكبيرة والناشطة السياسية صاحبة المواقف السياسية المبدئية، التي لا تخاف من عزل فني أو من سجن، ولما قابلتها عرفت أني كان لدي حق أن أخاف، محسنة لديها هيبة، وحضورها في الحياة لم يكن أقل من حضورها على المسرح».

جذور سودانية

قال أحد أفراد عائلة الفنانة الراحلة، محسنة توفيق، إن جذور عائلتها نوبية سودانية، تعود إلى منطقة المحس في شمال السودان. وقال المبدع، محمد يوسف وردي، علي صفحته على «فيس بوك» «ومن القاهرة جاءنا خبر حزين في أول أيام رمضان: رحيل بنت (المحس) الفنانة القديرة محسنة توفيق»، وأضاف وردي «رحلت محسنة الفنانة الملتزمة بعد صراع طويل مع المرض، قبل أيام أرسلت لها التحايا مع ابن خالتها، الشاعر السوداني المصري الكبير، أسامة فرحات، كانت تعتز بأصولها التي تعود لمنطقة (المحس) في شمال السودان، وكانت كلما لقيتها تحكي لي باستمرار عن جدها الشيخ إسماعيل الذي جاء من (المحس) للدراسة في الأزهر الشريف، وبعد تخرجه صار شيخاً مرموقاً وعاشقاً مفتوناً بعصير التمر (الدكاي)». وأبدى وردي أسفه أن تموت محسنة توفيق حتى دون أن نهيئ لها زيارة بلد أجدادها.


- محسنة شاركتْ في

قوافل دعم انتفاضة

الشعب الفلسطيني،

من القاهرة إلى

العريش ورفح،

محملة بالأغذية

والأدوية إلى

الشعب المحاصر.

طباعة