يمتلكون قدرات تمكنهم من تمثيل وجه فلسطين المشرق أمام العرب والأجانب

ذوو الإعاقات الذهنية والسياح الأسوياء «معاً» في فندق واحد بجانب مهد المسيح

صورة

على بعد مسافات قليلة بالقرب من كنيسة مهد سيدنا المسيح عيسى عليه السلام، في مدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية، يعمل شبان وفتيات من ذوي الإعاقات الذهنية، كخلية نحل داخل فندق سياحي، افتتح حديثاً ليكونوا نواة إدارته، لاستقبال جميع الوافدين العرب والأجانب من داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها.

«معاً للحياة» هو اسم الفندق الذي يؤكد من خلاله ذوو الاحتياجات الخاصة أنهم شركاء في مجتمع الأسوياء، فطاقم العمل هم أشخاص أصيبوا بإعاقات ذهنية، ولكنهم يمتلكون بعزيمتهم قدرات جمة، تؤهلهم ليكونوا وجه فلسطين المشرق، أمام جاليات السياح العرب والأجانب.

ويتشارك اسم الفندق مع جمعية «معاً للحياة»، التي تحتضن منذ 13 عاماً طاقم الفندق من ذوي الإعاقات الذهنية، لتحمل الجمعية على كاهلها مهام إعادة دمج هؤلاء الشبان في مجتمع الأسوياء، من خلال افتتاح أول فندق من إدارتهم، يكون بوابتهم لإثبات جدارتهم في مجتمع أنهكه الاحتلال، وقضى على أحلامه الانقسام.

تأهيل وتأسيس

زارت «الإمارات اليوم» فندق «معاً للحياة»، وهو عبارة عن قصر قديم تعود نشأته للعام 1890 بجانب كنيسة المهد، رممه القائمون على جمعية «معاً للحياة» لاستقبال السياح والزوار، على أن يكون طاقمه من ذوي الإعاقة الذهنية، الذين يقدمون أداءً فائقاً سواء في أقسام الاستقبال، والإدارة، والخدمات الفندقية داخل الغرف والمطعم، والتي شهدت انسجاماً مطلقاً بين الشباب والشابات أصحاب الهمم والنزلاء الأجانب، الذين أثنوا على جميع أدوارهم المتميزة، مؤكدين حرصهم على القدوم ثانية لهذا الفندق، في كل زيارة لهم لمدينة مهد المسيح.

ماهرة غريب، مديرة ومؤسسة جمعية «معاً للحياة» في بيت لحم، ارتأت بمنتسبي الجمعية من الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية، أن يكونوا مصدراً أساسياً في الإنتاج والعمل والنجاح، وتمكينهم من تأدية ذلك بمساعدة بعض المشرفين في الجمعية التخصصية.

وتقول غريب المتخصصة في شؤون ذوي الإعاقة الذهنية، «إن جمعية (معاً للحياة) تحتضن 40 شاباً وشابة من ذوي الإعاقة الذهنية فوق سن الـ16، تتولى طوال ساعات النهار مهام تأهيلهم ودمجهم في المجتمع؛ ورفع مستويات ثقتهم بأنفسهم، وتغيير نظرة المجتمع تجاههم».

وتشير إلى أن الجمعية تأسست في العام 2009 في بيت لحم، كفرع لجمعية اتحاد «الآرش» العالمي، وفي العام الجاري رمم المبنى الرئيس التابع للجمعية، ليصبح فندقاً سياحياً، يتكون من 12 غرفة مزدوجة، مبينة أن عائد الفندق المادي يغطي جزءاً من مصاريف الجمعية، لضمان استمرارية خدماتها لذوي الإعاقات الذهنية.

وتنوه مديرة جمعية «معاً للحياة» إلى أن القصر القديم الذي يعد مقراً للفندق، يصنف ضمن 10 أماكن أثرية في مدينة مهد المسيح عليه السلام، حيث رمم بإشراف مركز حفظ التراث بما يتناسب مع خصوصية المكان، الأمر الذي أضفى عليه لمسات من الأصالة، كونه إرثاً فلسطينياً عريقاً. وبحسب غريب، أدرج فندق «معاً للحياة» على موقع «Booking» الرسمي للفنادق حول العالم، لضمان اتساع رقعة الإقبال عليه.

اندماج في العمل

وتشرح مديرة «معاً للحياة» آلية اختيار طاقم العمل في الفندق السياحي، «إن منتسبي الجمعية مصابون بالتوحد، وإعاقات ذهنية تتنوع بين البسيطة والمتوسطة مثل، طيف التوحد أو متلازمة داون، أو من إعاقات مرتبطة بإصابات في الرأس، وسابقاً اختبرنا قدراتهم من خلال إنتاج مشغولات يدوية من الصوف الطبيعي، وبناء على ذلك اختارت الجمعية بعضهم للعمل في الفندق».

وتسترسل غريب، «في البداية اخترنا ثلاثة من شباب وفتيات الجمعية، ممن عملنا على تأهيلهم خلال السنوات الماضية، ليصبحوا قادرين على العمل، وقد أثبتوا اندماجهم التام مع العمل في وقت قصير، إذ تتنوع مهامهم بين ترتيب الغرف، وكي الملابس، وتجهيز الفطور، تحت إشراف مساعدين من الجمعية».

وتضيف، «اخترنا ثلاثة أعضاء كون قدرة الفندق الاستيعابية أقل من أعداد جميع منتسبي «معاً للحياة»، ونحن ندرك أننا لا يمكن أن نكون الحل الأمثل للمجتمع، ولكن نقدم نموذجاً مشرقاً ومشرفاً لغيرنا كي يسير على دربنا ذاته».

نموذج مشرق

داخل مطعم فندق «معاً للحياة»، وبنشاط فائق، كانت تقدم الشابة مريم كنسان البالغة من العمر (27 عاماً) نموذجاً مشرقاً لطاقم العمل، إذ تتولى مهمة ترتيب وتنظيف طاولة الإفطار لوفد سياحي أجنبي، بعد أن انتهت للتو من ترتيب إحدى غرف الفندق المزدوجة.

وتتولى مريم التي تعاني إعاقة ذهنية، مهمة العمل في الفندق السياحي فترة الصباح، حيث يتعين عليها تقديم وجبة الإفطار لمرتادي «معاً للحياة» داخل المطعم، إلى جانب الاعتناء بغرف النزلاء يومياً.

وتقول الشابة كنسان بابتسامة عريضة ملأت وجهها العريض فرحاً، «منذ أن كنت في سن الـ16 التحقت بجمعية (معاً للحياة)، وبداخلها استفدت كثيراً، حيث تكوين الصداقات، وتنمية القدرات، واكتساب مهارات ساعدتني على الاندماج مع سائر فئات المجتمع، وهذا أفادني كثيراً منذ اليوم الأول للعمل داخل أروقة الفندق».

 

طباعة