المرصد

50 عاماً على «توسكيجي»

تصادف هذه الأيام ذكرى مرور واحدة من أعظم «الخبطات الصحافية» في التاريخ، والمتعلقة بالكشف عن إجراء «وكالة الصحة الأميركية» تجارب علمية خاصة بمرض الزهري استمرت على مدى 30 عاماً لم يعلم فيها من يخضعون لهذه التجارب، بما يُجرى عليهم.

كانت صاحبة السبق الصحافي الكبير هي المحررة الاستقصائية في وكالة الأوسشيتد برس، جين هيلر، التي استطاعت عبر مصدرها العلمي، بيير بوكستون، الكشف عام 1972، عما وصفته هي بنفسها في مطلع التحقيق بأنه «واحد من أخطر انتهاكات حقوق الانسان التي يمكن أن يتخيلها آدمي»، والذي تمثل في أن وكالة الصحة الأميركية، أجرت تجربة سريرية على مجموعة من الأميركيين الأفارقة من المصابين بالزهري، فجربت عقاراً على بعضهم، وتركت الباقين من المصابين بلا علاج كي ترى النتيجة، واستمر الأمر هكذا حتى تفجرت الفضيحة في ما عرف وقتها باسم «تجربة توسكجي»

شملت التجربة المشينة 600 أميركي إفريقي مصابين بالزهري، معظمهم بطبيعة الحال من الأوساط الاجتماعية البائسة، وكان المقرر في بداية الأمر أن لا تستمر التجربة لأكثر من ستة أشهر، لكن لأمر متعلق بقرارات أصحاب القرار في التجربة، استمرت لمدة 40 عاماً، وقد عارض التجربة في بداية الأمر طبيب متخرج حديثاً اسمه، ايروين شاتر، لكن معارضته كان أقصى حدودها المبنى الذي كان يعمل به، ثم انتهى الأمر به بالانسحاب، لكن، بيتر بوكسون، الذي أصابه الفزع من خطورة الأمر، قرر أن يمضي بالأمر إلى نهاية الشوط، ساعدته في ذلك الصحافية الشجاعة هيلر، التي نشرت الموضوع في بداية الأمر في صحيفة محدودة التوزيع نسبياً، هي «واشنطن ستار»، ثم أعادت نشره في «نيويورك تايمز» لينتقل الموضوع إلى الكونغرس، والرأي العام، والمدعي العام، ولتكشف التحقيقات أن 74 فقط من مجموع 600 هم كل من شاركوا في التجربة، لايزالون على قيد الحياة، وأن الزهري انتقل إلى 40 زوجة من الحالات التي تركت بلا معالجة، كما ولد 19 طفلاً مصابين بالزهري الخلقي من أبناء هؤلاء المصابين.

حاولت الحكومة الأميركية معالجة الأمر، فأوقفت الدراسة، ودفعت 10 ملايين جنيه تعويضات للضحايا، وشكلت لجنة في الكونغرس لمتابعة الدراسات من هذا النوع، واضطر الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، أن يقدم اعتذاراً رسمياً بشأنها في 16 مايو 1997.

حصلت هيلر على ثلاث جوائز صحافية كبرى، هي «جائزة روبرت كينيدي»، و«جائزة ريموند لابي»، و«جائزة جورج بولك»، لكن الأروع من كل الجوائز، هو ما قالته بفخر في مقابلة أخيرة، حين سئلت ما تأثير ما فعلتيه، فردّت ببساطة أن «90% من الإعلانات الطبية التي تصلكم، يذكر فيها كل الآثار الجانبية».

طباعة