يتوجب على الإدارة الجديدة التصرّف بسرعة

تضرر صدقية الولايات المتحدة يمكن إصلاحها

صورة

فعل الرئيس السابق، دونالد ترامب، الكثير لتقويض صدقية الولايات المتحدة على المسرح العالمي، وشككت إدارته علانيةً في قيمة التحالفات المهمة، وتراجعت عن الالتزامات الدولية، ووجّهت تهديدات مدوية، وغالباً لم تفعل شيئاً إزاءها، وعلى مدى أربع سنوات شكك أصدقاء وأعداء الولايات المتحدة في التزام واشنطن بعلاقاتها، وقيمها، والمؤسسات الدولية التي ساعدت في بنائها، وتعهد الرئيس، جو بايدن، بإصلاح سمعة الولايات المتحدة كقوة حازمة يمكن الاعتماد عليها، لكن بعض المحللين والأكاديميين يخشون من أن الضرر الذي حدث، على مدى السنوات الأربع الماضية، قد يستمر لوقت طويل.

وحذر أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد، جوزيف ناي جونيور، أخيراً، من أن «السؤال الطويل الأمد حول ما إذا كان بإمكان الحلفاء الوثوق بأميركا، وعدم إنتاج ترامب آخر، لا يمكن الإجابة عنه بتأكيد كامل»، وللتأكيد يواجه بايدن مهمة صعبة في إصلاح العلاقات المتوترة، واستعادة ثقة العالم، لكنّ هناك أسباباً وجيهة تجعلنا أكثر تفاؤلاً، إذ إن سمعة القادة تختلف عن سمعة أسلافهم، والدول التي يقودونها، لكنها تؤثر بشكل كبير في الصدقية المتصورة لدولهم، وبعبارة أخرى لا يلتزم القادة الجدد بالسمعة التي ورثوها، وهم يصوغون سمعتهم الخاصة التي تشكل بدورها صدقية دولهم، وبالتالي لدى بايدن فرصة لاستعادة صدقية الولايات المتحدة، لكن فقط إذا تصرف بسرعة، وتجنب الأخطاء التي يرتكبها القادة، غالباً، عند محاولة ترسيخ سمعتهم.

سمعة مطلوبة

يُدرك صانعو السياسة، بشكل بديهي، أن السمعة مهمة، لكنّ بعض الأكاديميين يشككون في أن الإجراءات السابقة تلقي ضوءاً كافياً على طبيعة الدول للتنبؤ بسلوكها المستقبلي، ووفقاً لهؤلاء المشككين فإن الطريقة التي تصرفت بها الدولة، في الماضي، لا تخبرنا كثيراً عن كيفية تصرفها في المستقبل، وبدلاً من ذلك تحدد المصالح الاستراتيجية والقوة النسبية صدقية الدول، ومن وجهة النظر هذه فإن محاولة «استعادة» سمعة الولايات المتحدة، بعد رئاسة ترامب، ستكون مهمة «غير منطقية»، وحظيت هذه النظرة بقدر كبير من الاهتمام، لاسيما بعد أن رسم الرئيس السابق، باراك أوباما، «خطاً أحمر»، بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية في سورية، ثم رفض التدخل.

وجادل المشككون في سمعة الدولة حينها، بأن أوباما يجب ألا يشعر بالضغط للتصرف بدافع القلق على صدقية الولايات المتحدة، لأن الصدقية لا تحددها تصرفات الدولة، لكنّ عدداً هائلاً من البحث الأكاديمي يظهر أن أفعال الماضي، والسمعة التي اكتسبتها الدول بسببها، تؤثران بالواقع في الصدقية.

وتُظهر الدراسات أن الدول التي لا تواجه التهديدات الدولية، من المرجح أن تكون أهدافاً للعدوان في المستقبل، وأن الدول ذات السمعة السيئة، في ما يتعلق بالصدقية أو العزيمة، تواجه صعوبة في إصدار تهديدات ذات صدقية، وتكتسب الدول، أيضاً، سمعة لكونها شريكة تحالف موثوق بها، أو غير موثوق بها، ما يؤثر بدوره في قدرتها على تكوين تحالفات جديدة.

ومن خلال البحث يظهر أن السمعة، خصوصاً في ما يتعلق بالعزيمة، لا تساعد الدول فحسب، بل القادة أيضاً، على تحقيق نتائج مواتية في السياسة الخارجية، وبالاعتماد على التحليل الشامل للوثائق الأرشيفية السوفييتية والأميركية، من خمسينات وستينات القرن الماضي، ثبت أن القادة الذين يُنظر إليهم على أنهم حازمون يمكنهم إصدار تهديدات أكثر صدقية، والحصول على تنازلات أكبر، وتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأخرى، بشكل أفضل من القادة الذين يُنظر إليهم على أنهم مترددون.

مواضع الخلل

لدى القادة نافذة ضيقة بعد توليهم مناصبهم لتأسيس سمعتهم، وقد يعتقد القادة الجدد أن لديهم الوقت لإصلاح مواضع الخلل في سياستهم الخارجية، خذ على سبيل المثال أحد التحديات الأولى في السياسة الخارجية للرئيس، جون كينيدي، ففي يونيو 1961 هدد رئيس الاتحاد السوفييتي، نيكيتا خروتشوف، بالتوقيع على معاهدة سلام منفصلة مع ألمانيا الشرقية، وقطع وصول الغرب إلى برلين، إذا لم يعترف الغرب رسمياً بوجود دولتين ألمانيتين منفصلتين.

وأثناء الحملة الانتخابية، تحدث كينيدي بقوة عن الحاجة إلى الدفاع عن المصالح الأميركية في ألمانيا الغربية وبرلين، لكن بمجرد توليه منصبه تأرجح بين مواجهة موسكو والجهود المبذولة للتوافق، ونتيجة لذلك توصل خروتشوف إلى الاعتقاد بأن كينيدي كان غير متأكد من كيفية تحقيق أهداف الولايات المتحدة، في برلين، وغير مستعد لتحمل التكاليف اللازمة.

وكما كتب الدبلوماسي السوفييتي، أركادي شيفتشينكو، لاحقاً: «اعتقد خروتشوف أن كينيدي كان ضعيفاً، ويفتقر إلى العزيمة، ولم يرَ خروتشوف تهديدات ووعود كينيدي في ما يتعلق ببرلين، وبعد ذلك كوبا، على أنها ذات صدقية»، ويتناقض فشل كينيدي في ترسيخ سمعة لعزيمته، في وقت مبكر من رئاسته، بشكل حاد مع تجربة سلفه، إذ عمل الرئيس، دوايت أيزنهاور، عن عمد، لتأسيس سمعة للعمل الحازم في مواجهة السوفييت.

ونتيجة لذلك، اكتسب أيزنهاور سمعة في التصميم والإصرار، سمحت له بالمشاركة في دبلوماسية بناءة مع السوفييت، وحتى ردع خروتشوف عن متابعة تهديد سابق بتوقيع معاهدة سلام منفصلة مع ألمانيا الشرقية عام 1958.

نافذة ضيقة

لدى بايدن نافذة ضيقة، يمكن من خلالها بناء سمعة لعزيمته وإصراره، يمكن أن تعيد صدقية الولايات المتحدة بعد ما حلّ بها في سنوات ترامب، وسيتعين عليه أن يحدد أهداف سياسته، بوضوح بشأن القضايا الدولية المهمة، ثم يعمل باستمرار على تعزيزها، وسيحتاج إلى تجنب الزلات المبكرة، مع العلم أن قادة العالم الآخرين يحكمون بقسوة على الرؤساء الجدد، وتولى بايدن الرئاسة في وقت محفوف بالمخاطر بشكل خاص، إنه لا يواجه وباءً مميتاً فحسب، بل يواجه توترات مستمرة مع روسيا وإيران وكوريا الشمالية، ودول أخرى.

وسيتطلب الموقف الأميركي الموثوق به بشأن هذه القضايا، الوضوح والاتساق والخصوصية، وقد وضع بايدن مواقف في بعض مجالات السياسة هذه، لكنّ أهدافه غامضة في مجالات أخرى، أو أن استراتيجياته لتحقيقها غير محددة بشكل جيد، وعلى سبيل المثال لم يوضح كيف ستتعامل إدارته مع القدرات النووية المطورة لكوريا الشمالية، أو ما الذي ستعنيه هذه القدرات للجهود الدبلوماسية مع الحلفاء في المنطقة، وقد تقرر بيونغ يانغ اختبار بايدن، في بداية رئاسته، بتجديد اختبار الأسلحة أو التصعيد الخطابي.

ويمكن أن يميل القادة إلى إطلاق تهديدات ووعود ضخمة عندما يفتقرون إلى مقترحات سياسية محددة، لكنهم يواجهون المشكلات عندما يبالغون في الوعود ويفشلون في دعم خطابهم بشكل مناسب، ويمكن أن تؤدي المبالغة في الوعيد والنبرة القاسية، أيضاً، إلى وضع القادة في مأزق، ما يستلزم استجابات سياسية قاسية، قد لا يكونوا مستعدين أو غير قادرين عليها.

ومن الواضح أن ترامب قد فشل في تعلم هذا الدرس، وأن بايدن، ستكون لديه الحكمة لينتبه جيداً، ويتم بناء سمعة العزيمة والصدقية من خلال تبني مواقف سياسية واضحة، ومن ثم متابعتها بإجراءات مباشرة ومتسقة، وما يفعله بايدن للوفاء بوعوده سيحدد ليس فقط سمعته كرئيس، ولكن مصير صدقية الولايات المتحدة.

• يمكن أن يميل القادة إلى إطلاق تهديدات ووعود ضخمة عندما يفتقرون إلى مقترحات سياسية محددة، لكنهم يواجهون المشكلات عندما يبالغون في الوعود ويفشلون في دعم خطابهم بشكل مناسب.

• فعل الرئيس السابق، دونالد ترامب، الكثير لتقويض صدقية الولايات المتحدة على المسرح العالمي، وشككت إدارته علانيةً في قيمة التحالفات المهمة، وتراجعت عن الالتزامات الدولية، ووجّهت تهديدات مدوية، وغالباً لم تفعل شيئاً إزاءها.

دانيال لوبتون - باحثة ومُحاضِرة بجامعة «كولغيت» في ولاية نيويورك

طباعة