ترامب يراهن على قوة أميركا.. وماكرون يدعو إلى التمسك بالقانون والتعددية وسط صعود «القوى المتوسطة»
منبر الأمم المتحدة يكشف انقساماً حول مستقبل النظام الدولي
خلال اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، عرض قادة العالم رؤى متباينة ومتنافسة بشأن مستقبل النظام الدولي، في مشهد عكس بوضوح حجم الخلاف حول طبيعة العالم الذي يتجه إليه المجتمع الدولي.
وجاء خطاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مألوفاً إلى حد يبعث على القلق، حيث انطلق في رؤيته للعالم من اعتقاده بأن الولايات المتحدة تمتلك المقومات التي تؤهلها لقيادة النظام الدولي، مستنداً إلى اقتصاد ضخم، وصفه بأنه «يثير حسد دول العالم الأخرى»، وإلى جيش قال إنه «الأقوى على وجه الأرض».
وبعد نحو ساعتين من خطاب ترامب، صعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى منبر الأمم المتحدة ليقدم رؤية مختلفة تماماً عن تلك التي طرحها نظيره الأميركي.
فقد دافع ماكرون بلهجة قوية وحازمة عن القانون الدولي، والتعددية، وحكم القانون، والنظام الدولي القائم على القواعد، محذراً من أن العالم يعيش في «حقبة جديدة من الممارسات الهمجية»، على حد تعبيره.
وعلى الرغم من أن الرئيس الفرنسي وجه انتقادات مباشرة إلى عدد من الدول، فإن جانباً كبيراً من حديثه كان موجهاً بوضوح إلى ترامب ورؤيته للنظام العالمي.
وقال ماكرون: «يقولون إن القوة هي الحق، لكننا لن نرضخ».
وأضاف: «لا يمكننا ببساطة قبول هذا النظام الجديد القائم على الإفلات من العقاب، والذي يحاول البعض ترسيخه. هل نريد العيش في ظل شريعة الغاب، أم نريد العيش في مجتمع دولي متحضر؟».
والأهم من ذلك، أن ماكرون أقر بما وصفه بـ«الإغراء الدائم» الذي يواجه الغرب لتبني معايير مزدوجة في تعامله مع قضايا السيادة وحقوق الشعوب. وتساءل قائلاً: «كم مرة سمعنا أن سيادة الشعوب لها قيمة في أوروبا، لكن إذا نظرنا إلى الشرق الأوسط وإفريقيا نجد أنها أقل قيمة؟ كلا، هذا أمر غير مقبول. فالحياة هي الحياة، والسلام والأمن لا يتجزآن، وللجميع الحق فيهما».
«الذكاء الأخلاقي»
وخلال العقد الماضي، ظل ماكرون باستمرار واحداً من القادة الغربيين القلائل الذين امتلكوا رؤية تحليلية تتسم بما يمكن وصفه بـ«الذكاء الأخلاقي» بشأن الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه أوروبا والعالم.
وفي الوقت الذي دفع فيه قادة آخرون النظام الدولي نحو مرحلة يسودها الإفلات من العقاب، واصل الرئيس الفرنسي الدفاع عن النظام القائم على القواعد، كما تصدر خلال الأشهر الأخيرة جهوداً ترمي إلى بناء تحالفات جديدة لدعم تحالفات قديمة باتت مهددة بالتداعي.
وكان ماكرون من أكثر المتحمسين لفكرة «الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي»، انطلاقاً من إدراكه أن أوروبا، على الرغم من كونها قوة اقتصادية كبيرة، لم تستغل بعد كامل إمكاناتها بوصفها قوة عسكرية وجيوسياسية قادرة على لعب دور أكثر استقلالاً في الساحة الدولية.
وخلال الولاية الأولى لترامب، كان ماكرون الزعيم الغربي البارز الوحيد تقريباً الذي تجرأ على الإقرار علناً بأن حلف شمال الأطلسي «الناتو» لم يعد قادراً على الاعتماد بشكل كامل على الولايات المتحدة، ووصف وضع الحلف آنذاك بأنه يقترب من «الموت السريري».
اقتراحات متواضعة
لكن، وعلى الرغم من قوة الخطابات السياسية والشعارات الرنانة، فإنها نادراً ما تؤدي وحدها إلى تغييرات كبيرة في الواقع. فالدعوة الطموحة التي أطلقها ماكرون لإصلاح الاتحاد الأوروبي عام 2017 لم تثمر نتائج تذكر، بعدما أجهضتها فعلياً المستشارة الألمانية آنذاك أنجيلا ميركل، التي أشادت بـ«شغفه» و«حماسه»، لكنها أحجمت عن تقديم الدعم الفعلي لجوهر مقترحاته.
وبالمثل، فإن ماكرون، على الرغم من قوة التحليلات التي قدمها في نيويورك الأسبوع الماضي، لم يطرح حلولاً يمكن وصفها بأنها جذرية، بل جاءت مقترحاته في معظمها متواضعة، مقارنة بحجم التحديات التي شخّصها.
أزمات
ولا تقع المسؤولية عن ذلك كله بالضرورة على عاتق الرئيس الفرنسي، فقد تولى السلطة في مايو 2017، في وقت كان فيه النظام العالمي الجديد يشهد حالة من التفكك والاضطراب. وكان الاتحاد الأوروبي يمر بأزمة عميقة، بعدما صوتت المملكة المتحدة، إحدى أكبر دوله الأعضاء، لمصلحة الانسحاب منه، بينما ظلت الدول الأعضاء الأخرى منقسمة بشدة بشأن تداعيات أزمة منطقة اليورو التي شهدها النصف الأول من العقد السابق. كما كانت أوروبا لاتزال تتعامل مع تداعيات موجة الهجرة التي شهدها صيف عام 2015، في وقت تراجعت فيه مكانة اثنين من أكبر حلفاء فرنسا الأوروبيين خلال فترة ولاية ماكرون. واضطر الرئيس الفرنسي إلى التعامل مع ثلاثة مستشارين ألمان، كان اثنان منهم أقل شعبية من سلفهما، في حين يجد نفسه الآن يتعامل مع سادس رئيس وزراء بريطاني منذ توليه منصب الرئاسة الفرنسية.
وازدادت المتاعب السياسية الداخلية التي واجهها ماكرون من القيود المفروضة على قدرته على التحرك في الساحة الدولية. فقد بدا عملياً خلال العامين الماضيين بمثابة «رئيس بلا سلطة فعلية»، أو ما يعرف سياسياً بـ«البطة العرجاء»، لاسيما منذ أن أدت الانتخابات البرلمانية المبكرة التي دعا إليها عام 2024 إلى فقدان حزبه وحلفائه الأغلبية في البرلمان.
أثر عميق
ومع ذلك، فإن خطابه في نيويورك، الذي يمثل خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل مغادرته الرئاسة في الربيع المقبل، قد يترك أثراً أعمق وأكثر استمرارية مما قد توحي به الظروف السياسية الداخلية المحيطة به.
فقد نجح ماكرون، بلا شك، في تحديد نبرة النقاشات التي جرت في الأمم المتحدة، وفتح المجال أمام عدد من قادة الدول، لاسيما ما يُعرف بـ«القوى المتوسطة»، للتعبير بصورة أكثر وضوحاً عن مواقفهم تجاه مستقبل النظام الدولي. وخلال الأيام التالية لخطاب ماكرون، توالى قادة هذه الدول في الدفاع عن مبادئ الأمم المتحدة، وتوجيه انتقادات، وإن كانت في كثير من الأحيان مبطنة، إلى ترامب وسياساته. وبدا أن كثيراً من القادة الذين كانوا يترددون في السابق في التعبير علناً عن آرائهم، أصبحوا يشعرون بمزيد من الجرأة والاستعداد لاتخاذ مواقف أكثر وضوحاً.
فقد حذّر رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، من أنه «لا يمكن ترك مهمة الأمم المتحدة حكراً على القوى العظمى، أو أكبر الدول، أو حتى أصحاب الأصوات الصاخبة».
من جهته، قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، إنه يسعى إلى «الدفاع عما يحاول الكثيرون تدميره»، داعياً الدول إلى التكاتف في مواجهة الجهات السياسية والحكومات التي تريد «إعادتنا إلى ماضٍ مظلم».
«القوى المتوسطة»
وخلال الشهر الجاري، بدأ الاتحاد الأوروبي وكندا مناقشة فكرة «العضو المشارك»، في حين شكلت المملكة المتحدة ائتلافاً جديداً من «القوى المتوسطة»، بهدف فرض عقوبات على الدول التي تنتهك القانون الدولي.
كما جرى تشكيل مجموعة جديدة داخل الأمم المتحدة، بعدما أطلقت فنلندا والنرويج دعوة لإنشاء هيئة دولية تتولى الإشراف على سلامة الذكاء الاصطناعي. وتمثل هذه المبادرة تحدياً مباشراً لترامب، الذي وصف المخاوف المتعلقة بسلامة الذكاء الاصطناعي بأنها «خدعة».
وعلى الرغم من ذلك، انضم 27 زعيماً عالمياً إلى المبادرة، من بينهم ماكرون، ورئيس الحكومة الكندية مارك كارني، والمستشار الألماني فريدريش ميرتز، وألبانيزي.
ويبقى الرابط المشترك بين مختلف هذه التحركات هو مفهوم «الواقعية القائمة على القيم»، وهي فكرة طرحها في الأصل الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، وتبناها كارني، الذي يبدو أنه أشعل شرارة تحرك «القوى المتوسطة» خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا في وقت سابق من العام الجاري، عندما تحدث عن ما وصفه بـ«الصدع»، الذي أحدثه ترامب في النظام العالمي. عن «الغارديان»
تحالفات متنوعة
من المرجح أن يقوم العالم الجديد الذي يسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الحكومة الكندية مارك كارني، وغيرهما، إلى بنائه على شبكة من التحالفات المتنوعة، والمتداخلة أحياناً، بين دول تتشارك رؤى ومبادئ وأفكاراً متقاربة بشأن شكل النظام الدولي وقواعده.
وسيظل هناك تساؤل مستمر يواجه رئيس الحكومة البريطانية آندي بيرنهام، ووزير خارجيته إد ميليباند، يتعلق بالمجموعات والتحالفات التي ستختار بريطانيا الانضمام إليها، وتلك التي ستسعى إلى تشكيلها بنفسها، وكذلك التحالفات التي قد تختار عدم الانضمام إليها.
وعلى الرغم من رغبة بيرنهام في قيادة الجهود الرامية إلى وضع معايير عالمية جديدة للذكاء الاصطناعي، فإن بريطانيا لم تنضم حتى الآن إلى مجموعة الذكاء الاصطناعي التي تقودها فنلندا، وربما يعود ذلك إلى خشيتها من إثارة غضب ترامب.
وستواجه كل قوة متوسطة، المعضلة نفسها، المتمثلة في تحديد اللحظة التي ينبغي فيها الرد على الضغوط والهجمات، واللحظة التي يكون فيها الالتزام بالحياد هو الخيار المطروح.
لكن، على الأقل في الوقت الراهن، يبدو أن القوى المتوسطة باتت تدرك أمراً مهماً، وهو أن الرد لم يعد خياراً مستبعداً، وأن بإمكانها، منفردة أو من خلال تحالفات متعددة، أن تلعب دوراً أكبر في تحديد شكل النظام الدولي المقبل.
• الاتحاد الأوروبي وكندا بدآ مناقشة فكرة «العضوية».. وبريطانيا شكّلت ائتلافاً من «القوى المتوسطة» لفرض عقوبات على دول تنتهك القانون.
• موقف ماكرون يبرز حجم الخلاف مع ترامب.. ويدفع دولاً مثل كندا وأستراليا وإسبانيا إلى مواقف أكثر وضوحاً.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news