قيود التصدير والمعادن النادرة وأشباه الموصلات تعيد رسم خريطة الصراع الاقتصادي
سلاسل التوريد تتحول إلى سلاح جديد في الحرب التجارية بين أميركا والصين
يعد النمو الهائل في صادرات الصين مع انعدام النمو في الواردات غير مستدام. رويترز
تراجعت حروب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التجارية إلى حد كبير عن عناوين الأخبار، لكن المخاوف من فرض رسوم جمركية جديدة تظهر من حين إلى آخر عندما يخرج ترامب عن مساره، وعلى سبيل المثال يكون ذلك عندما يهدد بوقف التجارة مع الدول التي تسجل معها الولايات المتحدة عجزاً تجارياً ما لم يخفض الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) أسعار الفائدة.
غير أن الشعور بأن أكبر اقتصادين في العالم (أميركا والصين) يتجهان بخطى حثيثة نحو صراع اقتصادي صريح، قد تراجع أمام مخاوف أخرى أكثر بروزاً، مثل تهديدات ترامب للديمقراطية الأميركية أو تهديدات الذكاء الاصطناعي وما شابه ذلك.
هذا الشعور بالهدوء مضلل، فخلف الكواليس يسير العالم نحو حرب اقتصادية قد تكون ذات أبعاد خطيرة، وهي حرب يشير التاريخ إلى أنها قد تمتد لتصبح حرباً حقيقية.
وقد خففت الهدنة التي توصلت إليها واشنطن وبكين، العام الماضي، في صراعهما التجاري المتصاعد، والتي تم تمديدها حتى يناير المقبل، من حدة التوتر بين الطرفين، ما وضع حداً لتصعيد الرسوم الجمركية الانتقامية وفتح الباب أمام اتفاق تجاري مستقبلي لم يتم تحديده بعد.
في المقابل، لم تقم الصين ولا الولايات المتحدة بأي شيء لإرساء الضمانات المتبادلة التي من شأنها الحد من اندلاع أعمال عدائية جديدة، بل إن كلا الطرفين يركزان على كسب اليد العليا في ما يبدو أنه جولة تالية لا مفر منها في مواجهة وصفها الطرفان بأنها أولوية أمنية وطنية، وضرورية لضمان التفوق الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري.
سباق التسلح
يختلف سباق التسلح الجديد عن السباقات السابقة، فبدلاً من تصنيع أسلحة لتدمير بعضهما بعضاً، تركز الصين والولايات المتحدة على ضمان مرونة سلاسل التوريد الدولية التي يعتمدان عليها، وعلى إيجاد سبل لتقييد، بل وقطع، إذا لزم الأمر، سلاسل التوريد الضرورية للتقدم الاقتصادي والتكنولوجي لمنافسهما.
وتعود هاتان الاستراتيجيتان المتلازمتان على الأقل إلى فترة جائحة «كورونا»، عندما دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ بلاده إلى «زيادة اعتماد سلاسل الإنتاج الدولية على الصين، لتشكيل تدبير مضاد قوي وقدرة ردع ضد الأجانب الذين قد يقطعون الإمدادات إلى الصين بشكل مصطنع».
في بداية عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، أوضح مستشار الأمن القومي آنذاك، جيك سوليفان، الأهداف الأميركية، وهي الحد من وصول الصين إلى مجموعة محدودة من التقنيات المتقدمة ذات التطبيقات العسكرية دون زعزعة النظام الاقتصادي العالمي، ووصف الاستراتيجية بأنها بناء «ساحة صغيرة» من التقنيات المحظورة محاطة بـ«سياج عالٍ» من ضوابط التجارة والاستثمار.
زيادة القيود
والآن تجاوز الصراع حدود هذه المبررات الأولية، فقد زادت القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا الأميركية، والاستثمارات، ونقل التكنولوجيا إلى الصين على مدى نصف العقد الماضي، وهي لا تضر بالقدرات العسكرية للصين فحسب، وإنما تبطئ تقدمها التكنولوجي بشكل عام، كما أن استخدام ترامب للرسوم الجمركية لا يساعد في هذا الصدد، وقد خففت الصين بعض هذه القيود، لكنها لاتزال تفرض العديد من القيود الأخرى، وعلى الرغم من أن هذه القيود فرضت في الغالب رداً على الإجراءات الأميركية فإنها استخدمت أيضاً للضغط على دول أخرى بسبب سياسات متنوعة لا تتفق معها.
والمخاطر كبيرة، فقد قدرت وكالة الطاقة الدولية أنه إذا قامت الصين بمنع وصول الولايات المتحدة وأوروبا إلى المغناطيسات المصنوعة من العناصر الأرضية النادرة، فقد يكلف ذلك اقتصاداتهما نحو 1.5 تريليون دولار سنوياً.
سلاسل التوريد
لكن إلى أين تتجه حرب سلاسل التوريد، فإدارة ترامب تضخ مئات الملايين في مشاريع لاستخراج ومعالجة العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية الأخرى على أمل تقليص الفارق مع الصين، كما أنها تضاعف جهودها للحد من وصول الصين إلى أشباه الموصلات المتطورة ومنعها من شراء الآلات اللازمة لتصنيعها.
وفي المقابل، أعلنت الصين عن مجموعة من القيود على تصدير التكنولوجيا المتطورة، تشمل أشياء مثل رقائق الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الطاقة الشمسية.
علاوة على ذلك، هددت بكين بمعاقبة الدول التي تعمل على تقليل اعتمادها على منتجاتها المعدنية.
ويأمل العالم أن يكون هناك طريق للتوصل إلى تفاهم سلمي، وربما يتطلب ذلك بعض التفاهم المشترك حول ما يشكل خطراً مشروعاً على الأمن القومي قد يستدعي اتخاذ إجراءات لعرقلة سلاسل التوريد، ومن الضروري تحديد «الضوابط»، ولا ينبغي التعامل مع الإحباطات التي تواجه التجارة العادية على أنها حالة حرب.
هيمنة
من المرجح أن تهيمن الصين على تقنيات الطاقة المتجددة، لاسيما صناعة الطاقة الشمسية في المستقبل المنظور، وقد تهيمن أيضاً على صناعة السيارات الكهربائية.
وقد يثير هذا الأمر استياء في بروكسل وواشنطن، لكنه لا يستحق شن حرب من أجله، ومن ناحية أخرى سيتعين على الصين أن تقبل بأن استراتيجيتها الاقتصادية غير مقبولة بالنسبة لبقية العالم، فمزيجها من النمو الهائل في الصادرات مع انعدام النمو في الواردات غير مستدام، وقد يبدو هذا الأمر قابلاً للتنفيذ، ومع ذلك فإن احتمالات بقاء الاقتصاد العالمي في حالة سلام تبدو ضئيلة.
ويذكرنا التاريخ بجهود دول المحور للاستيلاء على الأراضي عندما قيدت عصبة الأمم وصولها إلى المواد الخام في المراحل المبكرة من الحرب العالمية الثانية، أو قيام الرئيس الأميركي الأسبق، فرانكلين روزفلت، بحظر مبيعات الخردة الفولاذية والنفط الأميركي إلى اليابان.
وفي الوقت الذي تتصارع فيه الولايات المتحدة والصين من أجل السيطرة على التكنولوجيا المستقبلية، أصبحت التجارة مسرحاً للحرب. عن «الغارديان»
• الهدنة التي توصلت إليها واشنطن وبكين في صراعهما التجاري المتصاعد، خففت من حدة التوتر بين الطرفين.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news