أخفقت في الضغط المتوازن على موسكو وكييف للتوصل إلى تسوية رغم قوتها

واشنطن تعجز عن إنهاء حرب أوكرانيا بعد 4 سنوات من الصراع

ترامب أكد لزيلينسكي أنه لا يملك «أوراقاً رابحة». إي.بي.إيه

مضى نحو عام منذ أن كتبت آخر مقال عن الحرب في أوكرانيا، ومازال هذا الصراع يمثل مأساة مستمرة تلقي بظلالها الثقيلة على أحداث تجري في أماكن أخرى، الأمر الذي دفعني للتأمل في واقع الصراع الراهن وما يمكن فعله لإنهائه، بعد مرور أكثر من أربع سنوات على اندلاعه.

وينبغي على أي شخص يتناول هذا الموضوع أن يتحلى بالتواضع، حيث إن الجميع كانوا مخطئين في تقديراتهم. وعلى سبيل المثال، لم أكن أتوقع أن يبدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حرباً على أوكرانيا عام 2022، لاعتقادي بأن خطوة كهذه ستكون بمثابة خطأ فادح ستلحق الضرر بروسيا على المدى الطويل. ولاأزال أرى أنني كنت محقاً في ذلك، لكن من الواضح أنني أخطأت في تقدير حسابات بوتين.

ومنذ ذلك الحين، أخفق عدد كبير من صناع السياسات والمحللين مراراً وتكراراً في استشراف مسار الأحداث، متأرجحين بين تفاؤل غير واقعي ونظرة تشاؤمية انهزامية.

ولم يكن حال القادة أفضل، فقد أخطأ بوتين في تقديراته حين ظن أن الحرب ستنتهي في غضون أيام قليلة، وأساءت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن تقدير فاعلية العقوبات، كما أخطأ القادة الأوكرانيون حين شنوا هجوماً مضاداً كارثياً في صيف عام 2023.

وكذلك أخبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بأنه لا يملك «أوراقاً رابحة»، وضغط عليه لإبرام اتفاق مجحف، ليفاجأ لاحقاً بأن مزيجاً من الدعم الأوروبي والابتكار والبطولة الأوكرانية قد قلب موازين القوى مؤقتاً.

«ورطة صعبة»

لاتزال أوكرانيا وروسيا في «ورطة صعبة»، إذ لم يتمكن أي طرف من فرض إرادته على الآخر وكلاهما يستمران في المعاناة من خسائر فادحة.

وتعد أوكرانيا هي الخاسر الأكبر بالنظر إلى صغر مساحتها وعدد سكانها وقاعدتها الصناعية العسكرية المحدودة مقارنة بروسيا، إلا أن الدعم الخارجي والعزيمة القوية النابعة من الدفاع عن الوطن قد ساعدا كييف على مواصلة القتال لفترة أطول مما توقعه الكثير من المراقبين.

ويجسد الصراع بين روسيا وأوكرانيا النمط التقليدي للحروب الطويلة التي تميل إلى التصعيد، حيث عمد كل طرف إلى تطوير أسلحة جديدة أكثر فتكاً، وتوسيع نطاق الأهداف تدريجياً، وإقحام أطراف ثالثة في المعركة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

وعلى الرغم من ذلك، فإن إنهاء الحرب يصب في مصلحة الجميع تقريباً في هذه المرحلة، فكلما طال أمد الحرب، زاد حجم الأضرار التي تلحق بأوكرانيا وتضاءلت فرصها المستقبلية.

وفي المقابل، تعاني روسيا أيضاً معاناة شديدة، وستخرج من الحرب وهي أكثر ضعفاً واعتماداً على الصين.

كما أن كلفة دعم أوكرانيا ترهق كاهل الاقتصادات الأوروبية في وقت لا تتحمل فيه هذه الاقتصادات أعباء إضافية، فضلاً عن أن الحرب تمنح أحزاب اليمين المتطرف، مثل حزب البديل من أجل ألمانيا، ورقة ضغط أخرى لمهاجمة المؤسسة السياسية في ألمانيا.

وإضافة إلى ذلك، وكما تكشف مطالبة ترامب لأوكرانيا بالتوقف عن مهاجمة منشآت تكرير النفط الروسية، فإن الحرب تفاقم نقص الوقود عالمياً وتفرض أعباء اقتصادية وسياسية على الولايات المتحدة.

قوة عظمى

وعلى الرغم من ذلك، تستمر الحرب بلا هوادة، ولم ينجح أحد حتى الآن في إرساء آلية فعالة لتسوية المصالح المتضاربة التي أدت إلى اندلاعها، أو المساعدة في صياغة شروط مقبولة للطرفين، أو حتى تجميع مزيج من الحوافز والضغوط التي قد تدفعهما نحو التوصل إلى اتفاق.

ومن الناحية النظرية، تعد الولايات المتحدة القوة العظمى التي تمتلك أكبر قدر من النفوذ والقدرة على التوصل إلى تسوية وإنهاء الحرب، حيث يمكنها تقديم حوافز اقتصادية متنوعة «مثل مساعدات إعادة الإعمار لأوكرانيا ورفع العقوبات عن روسيا»، كما يمكنها تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا أو حجبها حسبما تقتضي الضرورة للدفع نحو إبرام اتفاق.

لكن للأسف، أخفقت الولايات المتحدة مراراً في استغلال مكانتها بفاعلية، فبدلاً من التصرف كطرف ثالث مسؤول والضغط على الجانبين لحل النزاع، كانت تنحاز تارة لهذا الطرف وتارة لذاك، دون أن تمارس ضغطاً متزامناً عليهما سعياً للتوصل إلى اتفاق.

باختصار، لم تتصرف الولايات المتحدة قط كقوة عظمى جادة تدرك أن مصلحتها الأساسية تكمن في إنهاء الحرب.

صدام كبير

وعلى غرار أسلافه، أخفق الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في إدراك أن التوسع غير المحدود لحلف شمال الأطلسي «الناتو» سيؤدي في نهاية المطاف إلى صدام كبير مع روسيا. وحتى بعد استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم، والحرب الممتدة منخفضة الحدة في دونباس، واصل بايدن الاقتراب مما وصفه السفير الأميركي السابق لدى روسيا، بيل بيرنز، بأنه «أكثر الخطوط الحمراء وضوحاً وحساسية بالنسبة للنخبة الروسية، وليس بوتين وحده، ألا وهو انضمام أوكرانيا إلى حلف (الناتو)».

ومن خلال تسريع الجهود لضم أوكرانيا إلى المدار الأمني الغربي تسبب بايدن ووزير خارجيته، أنتوني بلينكن، في تهيئة الظروف التي دفعت بوتين في النهاية إلى إصدار أمر بشن حرب غير قانونية.

وعلى الرغم من أنه يمكن القول إن روسيا لا تملك حق النقض على تصرفات الدول ذات السيادة، وأن لأي دولة الحرية في التحالف مع من تشاء، إلا أن ممارسة هذه الحرية ليست دائماً أمراً حكيماً.

تفاقم الخطأ

وحالما شنت روسيا حربها الوقائية، كان بايدن وحلفاؤه على حق في استخدام قوة الولايات المتحدة على شكل عقوبات ومساعدات كبيرة لأوكرانيا ساعدتها على الدفاع عن نفسها، لكنهم أخفقوا في دعم جهود الأطراف الثالثة لإنهاء الصراع، ولم يستبعدوا أبداً احتمالية انضمام أوكرانيا مستقبلاً إلى «الناتو»، كما أيدوا علناً أهداف الحرب القصوى التي تبنتها أوكرانيا، مثل هدف كييف، الذي من شبه المستحيل تحقيقه، وهو استعادة كامل أراضيها المفقودة، بما في ذلك شبه جزيرة القرم.

ومنذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى منصبه للمرة الثانية في عام 2025، ارتكب خطأً معاكساً، حيث مارس ضغوطاً على كييف لإبرام اتفاق، ومنح روسيا حرية التصرف دون مساءلة. وتفاقم هذا الخطأ مع إرسال المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذين ظنا أن مجرد التلويح ببعض الصفقات التجارية أمام بوتين كان كافياً لإقناعه بإنهاء الحرب.

وسيط محايد

هل هناك طريق ثالث لحل هذه المعضلة؟ نعم، من الناحية النظرية على الأقل، فبدلاً من الانحياز تارة لهذا الطرف وتارة لذاك، يمكن للولايات المتحدة أن تؤدي دور الوسيط المحايد بحق، وأن توظف مساعيها الحميدة ونفوذها للضغط على كلا الطرفين من أجل التوصل إلى تسوية.

وإذا كانت واشنطن ترغب في الضغط على روسيا، فينبغي عليها تجديد الدعم العسكري لأوكرانيا ومساعدتها في الدفاع عن نفسها أمام الهجمات الصاروخية الروسية التي تزداد وطأتها تدميراً، غير أنها مطالبة أيضاً بدفع أوكرانيا نحو القبول بأقل مما تطمح إليه، واستئناف الدعم الأميركي المشروط بخفض كييف لسقف مطالبها.

وأما في ما يتعلق بالخطوط العريضة، فأنا لاأزال أرى أن أوكرانيا لن تتمكن من استعادة شبه جزيرة القرم أو معظم منطقة دونباس، سواء في ساحة المعركة أو على طاولة المفاوضات، وأنه يجب استبعاد فكرة انضمامها المستقبلي إلى حلف الناتو بشكل نهائي.

وللأسف، لا أرى أي مؤشر على وجود شخص داخل إدارة ترامب قادر على إدارة محادثات سلام جادة.

وحتى لو كان ترامب راغباً حقاً في التوسط لإحلال السلام وكلف أشخاصاً أكفاء بهذه المهمة، فليس من الواضح ما إذا كان يمتلك الأوراق اللازمة لذلك.   ستيفن إم. والت*  * أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد وكاتب عمود في «فورين بوليسي»  عن «فورين بوليسي»

• أميركا لم تستغل مكانتها بفاعلية، فبدلاً من التصرف كطرف ثالث مسؤول لإنهاء الصراع، كانت تنحاز لطرف أكثر من طرف.

• أوكرانيا وروسيا لاتزالان في «ورطة صعبة»، إذ لم تتمكن أي منهما من فرض إرادتها على الأخرى، وكلتاهما تستمران في المعاناة من خسائر فادحة.

تويتر