تعاني خللاً بإدارتها.. وضعفاً في أعين أعدائها.. وانعدام ثقة حلفائها

ترامب جعل الولايات المتحدة أضحوكة

صورة

وعد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بجعل العالم يحترم أميركا ويخاف منها. لكنه في نهاية المطاف حقق أمراً مغايراً لذلك، إذ إنه جعل أميركا ونظامها الديمقراطي أضحوكة للعالم. ولا يستطيع أحد إلقاء اللوم على قادة روسيا، أو الصين، أو إيران، لشعورهم بالسعادة لما حدث في السادس من يناير، عندما هاجم أنصار ترامب، وبتحريض منه، الكونغرس الأميركي، وقاموا بنهبه وتخريبه.

وبدت تلك المشاهد كأنها شيء نابع من «الثورات الملونة»، عندما قام المحتجون في أوكرانيا وجورجيا بإطاحة الحكومات، وسببوا قشعريرة الرعب للعديد من الأنظمة الديكتاتورية. فقد قام المواطنون الأميركيون الغاضبون، المدفوعون بتحريضات كتبت على مواقع التواصل الاجتماعي، بالاحتجاج على ما اعتبروه انتخابات مزيفة، ودعوا إلى تطبيق الديمقراطية، وهم يحملون العلم الأميركي. لكن الفرق بين الطرفين هذه المرة لم يكن مرشحاً معارضاً، وإنما رئيساً أميركياً في السلطة يحتج على «انتخابات مزورة»، كما أن الاقتحام وقع في الولايات المتحدة.

التأثير في الديمقراطية

وبات هناك الكثير من التعليقات، حول تأثير تمرد ترامب في الديمقراطية الأميركية.

ونستطيع أن نأمل فقط أن الهجوم على الكونغرس الأميركي كان المعركة الأخيرة من الحرب الأهلية الأخيرة، وليس بداية حرب أهلية جديدة. وكان المستشار الألماني الشهير، أوتو فون بسمارك، يؤكد دائماً أن «القدير له عناية خاصة على البلهاء، والسكارى، والولايات المتحدة الأميركية»، وإذا كان الرجل على صواب، فإن لدينا السبب كي نصدق أن أميركا ستسمو في نهاية المطاف على أزمتها الحالية.. لكن ما الذي سيحدث إلى حين حدوث ذلك؟

أزمة سلطة

وأظهر اقتحام الكونغرس، وإمكانية محاكمة الرئيس ترامب، خلال ساعاته الأخيرة في البيت الأبيض، أنه ليس مجرد وجود أزمة في الديمقراطية الأميركية فقط، وإنما أزمة في السلطة الأميركية أيضاً. وإضافة إلى فشل الولايات المتحدة في الرد على جائحة كورونا، فإن الفشل غير المفسر لقوات الأمن الأميركية في منع المحتجين من اقتحام مبنى الكونغرس، يجعل أميركا تبدو كأنها تعاني خللاً في إدارتها، وضعفاً أيضاً في أعين أعدائها، كما أنها غير موثوقة من قبل حلفائها. وما زاد الطين بلة أن الاقتحام جاء بعد أسابيع على إهانة الهجوم السيبراني الروسي، الذي تعرضت له 10 منظمات فيدرالية.

وقريباً سيكون لدى الأميركيين رئيس جديد، لكن لن تكون لديهم دولة جديدة. إذ إن أربع سنوات من حكم الرئيس ترامب ستواصل ترديد صداها في شتى أنحاء العالم، مهما فعل الرئيس المنتخب جو بايدن كي يحول دون ذلك. وهذا بالتأكيد سيؤثر في أولويتين أساسيتين للسياسة الخارجية لإدارة بايدن، هما: أملها في بناء تحالف فعال للنظم الديمقراطية للدفاع عن النظام الليبرالي، وجهودها لإيجاد موقف مشترك مع الأوروبيين في مواجهة الصين الصاعدة بقوة مع حلفائها. ويخطط بايدن لعقد قمة للنظم الديمقراطية في بداية حكمه، لكن هل تستطيع الإدارة الجديدة إعادة أميركا بصورة شرعية إلى دورها السابق كزعيم للعالم الحر، في الوقت الذي يعاني فيه نظامها الديمقراطي التمزق؟ هل ستتم دعوة زعماء أمثال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو إلى هذه القمة؟ لكن إذا لم تدع واشنطن مثل هذه الدول إلى النادي الديمقراطي، ألن تكون هذه الخطوة بمثابة هدية لروسيا والصين اللتين تقومان ببناء نادٍ خاص بهما؟

وأوضح جاك سوليفان، الذي سيعينه بايدن مستشاره للأمن القومي، أنه يرى أن ترسيخ تنسيق سياسة عابرة للمحيط الأطلسي أمام أعداء الغرب، يعتبر بمثابة السياسة الخارجية للإدارة الجديدة. وقبل أسبوع، كان العديد من القادة الأوروبيين يعتزمون الاتفاق مع السيد سوليفان، لكن ما مدى واقعية هذا الأمر حالياً؟

ضعف أميركا

أعتقد أنه في ظل الظروف الحالية ستكون الأمور أكثر إشكالية من ما يظنه العديد من فريق بايدن العاملين في السياسة الخارجية. والسبب في ذلك ليس مواقف أوروبا إزاء أعداء أميركا، إنما السبب الأساسي هو ضعف الولايات المتحدة. وكشف استبيان، أجراه مجلس الاتحاد الأوروبي للعلاقات الخارجية في الأسابيع التي تلت الانتخابات الأميركية، وسيتم نشره يوم تنصيب الرئيس بايدن في البيت الأبيض، عن أن معظم الأوروبيين يشعرون بالشك في إمكانية الرئيس بايدن إعادة أميركا كزعيمة للعالم. ومعظم الأشخاص الذين شملهم الاستبيان في الدول الأوروبية مقتنعون بأنه في غضون 10 سنوات ستحل الصين مكان الولايات المتحدة في زعامة العالم. والأمر الأكثر إثارة للقلق أن معظم الألمان يعتقدون أنه بعد انتخاب ترامب، لم يعد بالإمكان الثقة بالأميركيين، كحلفاء محتملين. باختصار، إن هجوم المحتجين المناصرين لترامب على مبنى الكونغرس الأميركي، كان الهجوم الرئيس لترامب، بل والأكثر تأثيراً في حلفاء الولايات المتحدة.

وكان الرئيس السابق بيل كلينتون قد أعلن أن المهمة الأساسية، التي يجب أن يضطلع بها الأميركيون، هي «إيجاد عالم يمكننا أن نعيش فيه، عندما لا نصبح نحن القوة العظمى الوحيدة في العالم»، وعندما يدخل بايدن إلى البيت الأبيض، لن تكون الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم. ولسوء الطالع، أن العالم الذي يحكم فيه بايدن، الذي يتميز بظهور قوى عدة غير ديمقراطية، وانتشار التعصب القومي وانعدام المساواة، ليس هو العالم الذي يرغب في أن يعيش فيه الأوروبيون والأميركيون.

وخلال القرن الماضي، كانت القوة الأميركية تمثل قوة الديمقراطية. لكن في الأيام التي تلت اقتحام الكونغرس، لم يعد قادة أوروبا يعتبرون ديمقراطية الولايات المتحدة أمراً مسلماً به، ولا القوة الدائمة لنفوذ أميركا العالمي.

• معظم الألمان يعتقدون أنه بعد انتخاب ترامب لم يعد بالإمكان الثقة بالأميركيين، كحلفاء محتملين.

• أظهر اقتحام الكونغرس، وإمكانية محاكمة الرئيس ترامب، خلال ساعاته الأخيرة في البيت الأبيض، أن الأمر لا يتعلق بوجود أزمة في الديمقراطية الأميركية فقط، وإنما أزمة في السلطة الأميركية أيضاً.

إيفان كراتسيف - كاتب مقال يركز على السياسة الدولية في «نيويورك تايمز»

طباعة