وضعت سياسة وقوانين تحقق التوازن بين مصالح الأطراف الأساسية في «القطاع»

تجربة هندية «رائدة» في تنظيــم التجارة الإلكترونية

صورة

التجارة الإلكترونية تعيد هيكلة أسواق تجارة التجزئة على نحو جوهري غير مسبوق، ومن المتوقع أن تتخطى مبيعات تجارة التجزئة التي تتم من خلال الإنترنت نسبة 20% خلال السنوات القليلة المقبلة (وفي بعض المنتجات مثل الأزياء بلغت هذه النسبة بالفعل 40% في الأسواق المتقدمة).

وفي ضوء هذه التطورات، يكون من الضروري دراسة وتحليل كيفية عمل شركات التجارة الإلكترونية، لكي تتمكن الجهات المختصة من تنظيم أعمالها على نحو يسمح بتشجيع الابتكار والمنافسة في هذا القطاع. ومن المهم أيضاً العمل على تفادي خلق أوضاع احتكارية تسيطر عليها الشركات الكبرى خلال بضع سنوات، ما يؤدي إلى الإضرار بالمستهلك والاقتصاد الوطني.


تجربة تستحق الدراسة

تعتبر تجربة الهند مع شركات التجارة الإلكترونية الكبرى تجربة مهمة تستحق الوقوف عندها بالدراسة والتحليل.فمنذ سنوات عدة، سمحت الحكومة الهندية بالاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 100% في مجال منصات التجارة الإلكترونية، وهي نشاط عرض منتجات الغير للبيع عبر موقع إلكتروني على الإنترنت، بشرط ألا تكون تلك المنتجات مملوكة للشركة التي تدير الموقع الإلكتروني الذي يتم من خلاله عملية البيع. إلا أن الحكومة الهندية استمرت في تطبيق قيود الملكية الأجنبية على قطاع تجارة التجزئة للمنتجات المتنوعة (multi-brand retail ). ونتيجة لهذه السياسة، أسرعت شركات التجارة الإلكترونية الكبرى، مثل أمازون وفليبكارت، وإيباي، بدخول أسواق الهند، واستثمار أموال ضخمة، سعياً منها للحصول على حصة من تلك الأسواق التي يزيد حجمها على مليار مستهلك.

وقد تمكنت شركات التجارة الإلكترونية العملاقة من استغلال العديد من الثغرات، بهدف الضغط على الأسعار بشكل كبير، ما يؤدي من الناحية العملية إلى إجبار الشركات الأخرى الصغيرة على الخروج من السوق، لعدم قدرتها على المنافسة.

خلال عام 2018 استأثرت شركتا أمازون وفليبكارت (المملوكة حالياً لشركة وولمارت) مجتمعتين على ما قيمته 20 مليار دولار أميركي من عائدات تجارة التجزئة، ما أدى إلى قلب موازين تجارة التجزئة بالهند. وبطبيعة الحال لم تكن تلك النتائج مقبولة، حيث حصلت الشركات الكبرى على الإذن بالاستثمار المباشر داخل الهند بنسبة 100%، بهدف بناء منصات وقواعد تكنولوجية وتقنيات نظم مدفوعات إلكترونية، على أن تقوم الشركات الوطنية وتجار التجزئة بعمليات البيع للمستهلكين من خلال تلك المنصات والتقنيات. إلا أن ما حدث في حقيقة الأمر أن أكثر من 80% من المبيعات قامت بها شركات مملوكة لأمازون وفليبكارت، التي قامت بتطبيق سياسات خصومات ضخمة على الأسعار لإخراج الشركات الأخرى من السوق.

وقد انتهى المطاف بهذه السياسة إلى أن تحول السوق إلى منطقة نفوذ مغلقة، تتحكم فيها الشركات الكبرى، دون أن يكون للشركات الأخرى أي فرصة للمشاركة العادلة، بسبب السياسات العدائية الممنهجة للشركات التابعة لأمازون، التي كانت تتولى عمليات البيع للمستهلك. وقد أدى هذا الوضع إلى معاناة كبيرة من الشركات الأخرى، وازدادت حالات إغلاق المتاجر، ومعدلات تدهور أوضاع مراكز التسوق. ونتيجة لذلك، اضطرت الحكومة الهندية إلى التدخل الأسبوع الماضي لوضع قوانين جديدة تهدف إلى منع الاحتكارات في قطاع التجارة الإلكترونية، وضمان مشاركة حقيقية وفعالة من قبل شركات تجارة التجزئة الوطنية. ويعد ذلك تطوراً غاية في الأهمية، إذ كان يتوجب على الحكومة الهندية أن تأخذ هذه المبادرة نتيجة ردود الأفعال السلبية لزيادة نفوذ شركات التجارة الإلكترونية العملاقة، مثل أمازون، و«وولمارت» داخل الهند.

مراكز تجارية رقمية

وفي قطاع التجارة الإلكترونية، يمكن تشبيه منصات عرض منتجات الغير للبيع على الإنترنت بالمراكز التجارية الرقمية، التي تحتاج إلى مستأجرين يقومون ببيع تلك المنتجات للمستهلك. فإذا ما سارت تلك المنظومة على نحو صحيح، يتمكن الغير من تجار التجزئة من المشاركة في هذه الأسواق والتنافس والقيام بعمليات البيع إلى جمهور العملاء والمستهلكين الذين يتسوقون عبر الإنترنت. إلا أن ما حدث في الواقع هو أن القائمين على إدارة هذه السوق الرقمية، مثل أمازون، انتهى بهم الأمر إلى امتلاك وتشغيل عدد كبير من المتاجر بشكل مباشر في هذا المركز التجاري الرقمي، وبالتالي تمكنت تلك الشركات من السيطرة على الجزء الأكبر من إيرادات السوق من خلال متاجرها الخاصة.

ونظراً لأن الشركات التي تقوم بإدارة منصات السوق لديها البيانات والمعلومات كافة، عن كل ما يتم بيعه من خلال تلك المنصات، فإنها تستطيع التحكم بسهولة في مستويات الأسعار، ونوعية المنتجات التي تتمتع بإقبال المستهلك، وبالتالي تقوم باستبعاد تجار التجزئة الآخرين، والتعامل بشكل مباشر مع موردي تلك المنتجات، وذلك بهدف الحصول على المزيد من هامش الربح. وفي نهاية الأمر، مع توافر كل البيانات حول نوعية المنتجات والسلع التي تتمتع بإقبال المستهلكين، تبادر هذه الشركات إلى العمل مباشرة مع المصانع التي تنتج تلك السلع، واستبعاد الأطراف الأخرى كافة من هذه المنظومة. وتكون محصلة ذلك هي إيجاد عملية احتكار محكمة ومكتملة الأركان، تنعدم معها أية قدرة للمستهلك على الاختيار، بسبب خروج جميع اللاعبين الأساسيين من السوق.

خطوات حكومية ودروس مستفادة

تم وضع سياسة وقوانين التجارة الإلكترونية الجديدة بالهند على نحو يحقق التوازن بين مصالح الأطراف الأساسية في هذا القطاع، من خلال ضمان المنافسة من قبل تجار التجزئة والشركات الوطنية، وتفادي تأسيس أوضاع احتكارية في هذا القطاع على المدى الطويل. ويشجع هذا القانون الشركات الكبرى على الاستثمار في مجالات التكنولوجيا والابتكار، مقابل الحصول على ربح عادل لتوفير هذه الخدمات، لكنه في الوقت ذاته يمنعها من السيطرة على سوق تجارة التجزئة من خلال الأساليب غير المباشرة، واستغلال الثغرات، وذلك من خلال المتطلبات القانونية التالية:

1. الشركات الكبرى القائمة على إدارة المنصات الإلكترونية لبيع منتجات الغير لا يجوز لها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، تملك أية نسبة، أو أن تكون لها مصلحة في أي من الشركات التي تقوم بعمليات البيع من خلال المنصة الإلكترونية. وعلى هذه الشركات أن تعمل كـ«مراكز تسوق» محايدة، تتمكن من خلالها الشركات الأخرى من بيع منتجاتها بالأسعار التي تحددها. وتعتبر هذه المتطلبات غاية في الأهمية، إذ إنه بتطبيق هذه المبادئ فإن 100% من قيمة قطاع التجزئة سيبقى داخل الاقتصاد الوطني، وفي الوقت ذاته يتم تحفيز الشركات الكبرى على استثمار ونقل التكنولوجيا وأساليب البيع، وخدمة العملاء، وتجربة الشراء عبر الإنترنت، إلى الاقتصاد الوطني. فضلاً عن أن تطبيق هذه السياسة يمنع استخدام أساليب الدعم المالي التي تقوم بها الشركات الكبرى، التي تحد من القدرات التنافسية للشركات الأصغر حجماً.

2. الشركات القائمة على إدارة المنصات الإلكترونية لبيع منتجات الغير لا يجوز أن تكون لها أية سيطرة أو قدرة على التحكم في مستويات الأسعار، أو الخصومات، أو رد جزء من سعر الشراء للمستهلك، وهي أمور يستقل بتحديدها بائع المنتج وحده دون غيره. ويحظر القانون صراحةً على الشركات الكبرى القائمة على إدارة منصة بيع منتجات الغير، القيام بدعم الشركات التي تقوم ببيع منتجاتها على منصاتها. ويضمن ذلك حرية المنافسة لشركات تجارة التجزئة الوطنية على المدى الطويل، ويمنع أيضاً تكوين أوضاع احتكارية مع مرور الوقت.

وخلاصة ذلك هو أن دور الشركات القائمة على إدارة منصات البيع الإلكترونية، هو دور المحرك لعملية التجارة الإلكترونية، وليس دور التاجر الذي يقوم بعملية البيع بالتجزئة. ويهدف القانون الجديد الذي وضعته الحكومة الهندية إلى تحقيق تلك النتيجة المتوازنة.

3. عدم السماح بسياسات الدعم والإعانات غير العادلة لخدمات الشحن والخدمات اللوجستية الأخرى المرتبطة بعملية البيع للمستهلك، ومن ذلك على سبيل المثال حوافز توصيل الطلبات بالمجان، التي تتبعها شركات التجارة الإلكترونية بهدف الحصول على ميزة غير تنافسية، وذلك لعدم قدرة التجار المحليين على المنافسة بالمثل، ويجب على الشركات العاملة في هذا المجال، وفقاً للقانون الجديد، أن تطبق رسوم خدمات عادلة ومستدامة.

ومن المعلوم أن الصين والهند تستعدان لتكونا أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم خلال العقد المقبل، وقد اتخذت كل منهما إجراءات حاسمة لحماية أسواقها الوطنية، وفي الوقت ذاته اهتمت بتشجيع الاستثمار في مجالات التكنولوجيا والأسواق الرقمية.

مع إصدار هذا القانون الجديد، اتخذت الهند خطوة مهمة نحو تشجيع منافسة صحية، وضمان نمو طويل الأجل ومستدام لقطاع استراتيجي مهم. ونحن بدورنا في حاجة إلى تحليل عميق لهذا القطاع المعقد، وإلى اتخاذ الخطوات اللازمة لحماية المصالح طويلة الأجل لكل من الاقتصاد الوطني والمستهلك.


- شركات إدارة منصات البيع الإلكترونية يقتصر دورها على محرك لعملية التجارة، وليس تاجر التجزئة.

- قوانين التجارة الإلكترونية الجديدة بالهند تهدف إلىضمان المنافسة من قبل تجار التجزئة والشركات الوطنية، وتفادي تأسيس أوضاع احتكارية في هذا القطاع على المدى الطويل.

- الصين والهند

تستعدان لتكونا

أكبر قوتين اقتصاديتين

في العالم خلال

العقد المقبل، وقد

اتخذت كل منهما

إجراءات حاسمة

لحماية أسواقها

الوطنية، وفي ذات

الوقت اهتمت

بتشجيع الاستثمار

في مجالات

التكنولوجيا

والأسواق الرقمية.

طباعة