أوتاوا مطالبة بتعزيز التنافسية وتنويع صادراتها مع تقليص اعتمادها «التاريخي» على السوق الأميركية

الأزمة التجارية مع واشنطن تكشف نقاط ضعف الاقتصاد الكندي

صورة

قبل نحو 80 عاماً، وخلال خطاب ألقاه أمام البرلمان الكندي في العاصمة أوتاوا، عبّر الرئيس الأميركي السابق، هاري ترومان، عن عمق العلاقات التي كانت تجمع بين الولايات المتحدة وكندا، قائلاً إن البلدين وصلا إلى مرحلة لم يعد فيها أي منهما ينظر إلى الآخر باعتباره «دولة أجنبية»، وإنما باتا يعتبران نفسيهما صديقين وجارين تجمعهما علاقات قائمة على السلام والتعاون في قارة شاسعة وغنية بالموارد.

لكن العلاقات بين الدولتين شهدت، منذ ذلك الخطاب، تراجعاً حاداً ونكسة كبيرة، وأصبحت اليوم في واحدة من أسوأ مراحلها، منذ حرب عام 1812 التي شكلت آخر مواجهة عسكرية كبرى بين البلدين الجارين.

ويتركز الخلاف القائم حالياً بين واشنطن وأوتاوا بصورة أساسية على القضايا التجارية والاقتصادية، وليس على مسألة الاستحواذ على الأراضي، وذلك رغم الجولة الجديدة من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على عدد من السلع الكندية، إلى جانب التصريحات المثيرة للجدل التي أطلقها بشأن إمكانية تحويل كندا إلى «الولاية الـ51» للولايات المتحدة، فضلاً عن حديثه عن إعادة تسمية بحيرة أونتاريو لتصبح «بحيرة أميركا».

التنافسية العالمية

ورغم أن الصراع الحالي قد يبدو، للوهلة الأولى، أشبه بمواجهة بين «داوود وجالوت»، نظراً إلى الفارق الكبير في الحجم الاقتصادي والسياسي بين البلدين، فإن كندا تتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية عن حالة الضعف والهشاشة التي تواجهها في المجال التجاري، فقد أخفقت البلاد على مدى عقود في اتخاذ خطوات شاملة وكافية لتعزيز قدرتها التنافسية، كما لم تنجح في تنويع قاعدة صادراتها بالشكل الذي كان يمكن أن يقلل من اعتمادها الكبير على السوق الأميركية.

وتضم القطاعات الاقتصادية الرئيسية في كندا الطاقة، والمعادن والتعدين، والأعمال الزراعية، وقطاع الغابات، والصناعات التحويلية الكبرى، والتكنولوجيا، إلى جانب الخدمات التجارية. وتشكل هذه القطاعات مجتمعة أكثر من 90% من إجمالي صادرات البلاد.

كما تدعم كندا نحو 20% من تجمعات الابتكار العالمية، بما يشمل مجالات التكنولوجيا الرقمية، والتصنيع المتقدم، والذكاء الاصطناعي، وكانت هذه المبادرة تُعرف سابقاً باسم «مبادرة التجمعات الفائقة للابتكار»، وهي تقوم على شبكات اقتصادية تقودها قطاعات الأعمال وتهدف إلى دعم البحث العلمي، وتحويل التكنولوجيا إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق، وتعزيز نمو الشركات والأعمال التجارية.

ومع ذلك فإن كندا لا تحتل موقعاً ضمن قائمة أفضل 15 دولة في العالم وفق تصنيف التنافسية العالمية الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية، كما تواجه البلاد مجموعة من المشكلات الهيكلية، من بينها انخفاض إنتاجية العمل، وتشتت التجارة الداخلية، وضعف استثمارات قطاع الأعمال، فضلاً عن غياب المنافسة القوية في بعض قطاعات السوق.

وعلى وجه الخصوص، لم يتمكن نمو إنتاجية العمل في كندا من مواكبة النمو المسجل في الولايات المتحدة على مدى عقود، وفي الوقت الذي تستثمر الشركات الأميركية في البحث والتطوير ما يقارب ضعف ما تستثمره الشركات الكندية، عند احتساب هذه الاستثمارات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، تظل الحواجز التجارية الداخلية بين المقاطعات الكندية من أكثر العوامل تأثيراً سلباً في القدرة التنافسية للبلاد.

الضرائب

وبحسب حسابات صندوق النقد الدولي، فإن إزالة هذه الحواجز التجارية المحلية بصورة كاملة يمكن أن تؤدي، على المدى الطويل، إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي لكندا بنحو 7%، ومن شأن ذلك أن يتيح للاقتصاد الكندي تحقيق ناتج إضافي تقدر قيمته بنحو 210 مليارات دولار كندي، (158 مليار دولار أميركي)، من دون الحاجة إلى إنفاق دولار واحد من أموال دافعي الضرائب.

ولا تقتصر العقبات التي تواجه التنافسية الكندية على الحواجز التجارية الداخلية، حيث تشمل أيضاً الضرائب الكندية التي تتجاوز متوسط معدلات الضرائب في الدول الغنية، إلى جانب تكاليف الامتثال للوائح الفيدرالية، والتي تزيد على 18 مليار دولار كندي (13 مليار دولار أميركي)، سنوياً.

ويعد تنويع الصادرات أحد المجالات الأخرى التي تعاني منها كندا من قصور واضح، ففي عام 2025، اتجهت نحو 72% من صادرات البلاد السلعية إلى الولايات المتحدة، في حين لم تتجاوز حصة الصادرات الكندية المتجهة إلى الأسواق الآسيوية 11%، وإلى الأسواق الأوروبية 12%.

قاعدة المشترين

ومن المؤكد أن توسيع قاعدة المشترين والوصول بصورة أكبر إلى الأسواق الجديدة في آسيا وأوروبا، يمكن أن يوفر فرصة لتحقيق نمو إضافي في الصادرات الكندية، قد تصل قيمته إلى 146 مليار دولار كندي (106 مليارات دولار أميركي)، بحلول عام 2035.

وفي الواقع، تمتلك الحكومة الكندية برئاسة مارك كارني شبكة واسعة من الاتفاقيات والأدوات التي يمكن أن تساعدها في تحقيق هذا الهدف، فهناك 15 اتفاقية تجارة حرة سارية المفعول تغطي 51 دولة، إضافة إلى اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.

كما تعتمد كندا على شبكة واسعة من مكاتب الإدارات الفيدرالية، التي تعمل بصورة جماعية تحت اسم «فريق التجارة الكندي»، وتهدف إلى دعم الصادرات الكندية ومساعدة الشركات المحلية على التوسع في الأسواق العالمية، وتمتلك إدارة «خدمة المفوض التجاري» التابعة للحكومة الكندية مكاتب في أكثر من 160 مدينة حول العالم، ما يمنح الشركات الكندية شبكة واسعة يمكن الاستفادة منها للوصول إلى الأسواق الخارجية.

فرصة كبيرة

وفي ظل هذه الإمكانات، تمتلك كندا فرصة كبيرة لتنويع صادراتها وتقليل اعتمادها التاريخي على الولايات المتحدة، ووفقاً لتقرير جديد صادر عن شركة «بي دبليو سي كندا» بعنوان «أسواق جديدة ومسارات جديدة للخدمات اللوجستية الكندية»، إلى جانب تقرير صادر عن «معهد فريزر»، وهو مجموعة فكرية كندية، فإن هناك فرصاً مهمة أمام البلاد لإعادة توجيه جزء من تجارتها نحو أسواق أخرى.

وأشار تقرير «معهد فريزر» إلى أن الصين والهند تُعدان من بين أكثر الأسواق الواعدة أمام كندا إذا أرادت تقليص اعتمادها الاقتصادي على الولايات المتحدة، والاستفادة من الفرص المتاحة في الأسواق الآسيوية.

وقد وضعت حكومة كارني هدفاً واضحاً يتمثل في مضاعفة قيمة الصادرات الكندية إلى الأسواق غير الأميركية بحلول عام 2035، في محاولة لإعادة التوازن إلى العلاقات التجارية الكندية وتنويع مصادر النمو الاقتصادي.

«فخ الراحة»

وعند النظر إلى النزاع التجاري الحالي بين الولايات المتحدة وكندا من منظور أوسع، يمكن طرح عدد من التفسيرات بشأن دوافع الموقف الأميركي، فقد يكون أحد الأسباب مرتبطاً بالحاجة السياسية لترامب إلى صرف الانتباه عن التراجع المتزايد في شعبيته وفق استطلاعات الرأي، إضافة إلى الملفات السياسية والعسكرية الأخرى.

أما من الجانب الكندي فيمكن تفسير جانب من المشكلة من خلال مفهوم اقتصادي يعرف باسم «فخ الراحة»، ويشير هذا المفهوم إلى الحالة التي يؤدي فيها ارتفاع مستوى الثروة الوطنية والنجاحات الاقتصادية السابقة إلى شعور متزايد بالاطمئنان والركون إلى الوضع القائم، بما يحجب المشكلات الهيكلية التي بدأت تتراكم، ومنها ضعف نمو الإنتاجية، ويؤدي في نهاية المطاف إلى تأجيل الإصلاحات الضرورية.

ويرى المستشار الاستراتيجي تشي وو، في مقال نشرته مجلة «بوليسي أوبشنز» الرقمية، في أبريل الماضي، أن «فخ الراحة» الذي تعيشه كندا يشكل عائقاً أمام نمو اقتصادها وقدرتها التنافسية على المدى الطويل، وتبدو مشكلات القدرة التنافسية وضعف تنويع الصادرات بمثابة انعكاس واضح لهذا التشخيص.

نقطة ضعف

ولاتزال كندا دولة غنية ومستقرة وتتمتع بمستوى معيشي جيد، وهو ما قد يشجع، في الوقت نفسه، على التراخي الاقتصادي وغياب الحافز القوي لاتخاذ خطوات إصلاحية جذرية، ويمكن ملاحظة هذا الأمر من خلال التساؤل الذي يطرحه أحد منتجي شمعات الإشعال الخاصة بالسيارات في ولاية أونتاريو الكندية: ما الجدوى من تحمل مشقة التصدير إلى مدينة توليدو في إسبانيا، حتى في ظل ارتفاع الطلب على منتجاته، في حين أن مدينة توليدو في ولاية أوهايو الأميركية لا تبعد عنه سوى أربع ساعات ونصف تقريباً؟

وتكشف هذه المقارنة عن حجم الاعتماد المتبادل الذي نشأ بين الاقتصادين الكندي والأميركي على مدى عقود، لكنه في الوقت نفسه يوضح كيف يمكن أن يتحول الاعتماد المفرط على سوق واحدة إلى نقطة ضعف عندما تتعرض العلاقات التجارية بين الطرفين للتوتر.

وفي حقيقة الأمر فإن العلاقات القائمة بصورة مفرطة على التبادل والاعتماد المتبادل، سواء كانت علاقات شخصية أو تجارية، يمكن أن تصبح غير صحية عندما يتحول الاعتماد إلى بديل عن التنويع والاستقلالية، وتمثل العلاقة التجارية بين الولايات المتحدة وكندا، التي قد تصل قيمتها إلى نحو 860 مليار دولار، مثالاً واضحاً على ذلك، حيث تؤدي الرسوم والإجراءات التي تستهدف السلع من الجانبين بصورة مباشرة إلى رفع تكاليف المنتجات الاستهلاكية اليومية، وكذلك تكاليف مدخلات التصنيع والأعمال التجارية.

ومن هنا فإن كندا مطالبة بمعالجة مشكلة قدرتها التنافسية داخل أوتاوا، وليس في واشنطن العاصمة، فحتى إذا استقرت العلاقة الحالية المتقلبة بين الولايات المتحدة وكندا في نهاية المطاف، بل وتحسنت مستقبلاً، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى الاقتصاد الكندي سيظل قائماً: هل ستتمكن كندا في الوقت نفسه من تحسين قدرتها التنافسية وتنويع صادراتها وتقليل اعتمادها التاريخي على السوق الأميركية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد كبير، ما إذا كانت الأزمة التجارية الحالية مجرد أزمة مؤقتة في العلاقات بين الجارين، أم أنها ستكون نقطة تحول تدفع كندا إلى إعادة بناء نموذجها الاقتصادي على أسس أكثر تنوعاً وتنافسية واستقلالية.   جيري هار* * أستاذ التجارة الدولية والإدارة التنفيذية في جامعة فلوريدا الدولية. عن «ناشيونال إنترست»

• كندا لاتزال دولة غنية ومستقرة وتتمتع بمستوى معيشي جيد، ما قد يشجع على التراخي الاقتصادي وغياب الحافز لاتخاذ خطوات إصلاحية جذرية.

• تساؤلات حول ما إذا كانت الأزمة الحالية مؤقتة في العلاقات بين الجارتين، أم أنها ستكون نقطة تحول تدفع كندا إلى إعادة بناء نموذجها الاقتصادي.

تويتر