يتحدّرون من أربع قرى هي آيا مارينا وكارباشا وكورماجيتي وأسوماتوس

موارنة قبرص يحلمون بالعودة إلى بيوتهم المهجورة شمال الجزيرة

صورة

نادراً ما تسنح الفرصة لنينوس جوزيفيديس (68 عاماً) ليزور قريته آيا مارينا، الواقعة في الشطر الشمالي من قبرص، كونها تحولت بعد الاجتياح التركي للجزيرة، قبل 47 عاماً، إلى موقع عسكري، ولا يمكن دخولها من دون إذن مسبق، رغم ذلك يحلم بالعودة إليها يوماً.

وقال لفريق من وكالة «فرانس برس» شارك، السبت، في زيارة نظمتها الكنيسة المارونية إلى القرى المارونية في شمال قبرص: «كان منزلي هنا قبالة الكنيسة، لقد دُمّر، كانت هناك منازل كثيرة هنا».

وتكاد كنيسة القديسة مارينا تكون المبنى الوحيد القائم في القرية، حيث يمكن أيضاً رؤية مسجد قريب.

جزيرة مقسمة

ويتحدّر القبارصة الموارنة من أربع قرى في شمال الجزيرة، هي، آيا مارينا، كارباشا، وكورماجيتي، وأسوماتوس.

وقبرص مقسمة منذ عام 1974، بعد أن غزت تركيا ثلثها الشمالي رداً على انقلاب نفذه قبارصة يونانيون قوميون كانوا يريدون ربط الجزيرة باليونان، وعلى الرغم من فشل الانقلاب لم تنسحب القوات التركية، وفي وقت لاحق أُعلنت في الشمال «جمهورية شمال قبرص التركية» التي لا تعترف بها إلا أنقرة.

فرّ القبارصة اليونانيون، وأغلبهم من الأرثوذكس، إلى القسم الجنوبي، تاركين أراضيهم ومنازلهم وممتلكاتهم، أما الموارنة، وهم أقلية تابعة للكنيسة الكاثوليكية، فبقي قسم منهم في قريتَي كورماجيتي، وكارباشا، ولو أن عددهم تضاءل على مرّ السنين، لكن قريتي آيا مارينا وأسوماتوس هُجّرتا بشكل كامل تقريباً.

ويقول جوزيفيديس: «قريتنا قُصفت، فاضطر سكانها إلى النزوح، ظنوا أنهم سيعودون في اليوم التالي لكن هذا لم يحصل».

بعد أن فتحت الحدود بين شطرَي الجزيرة في عام 2003، وجد القبارصة اليونانيون والموارنة، الذين عادوا لتفقد ممتلكاتهم، أنها إما مدمرة أو مصادرة ويسكنها آخرون، أما آيا مارينا وأسوماتوس فتحولتا إلى ما يشبه ثكنتين عسكريتين للجيش التركي، الذي يحتفظ بـ30 ألف عسكري في الشطر الشمالي.

زيارة مقيدة

وتسمح سلطات شمال قبرص للموارنة بزيارة آيا مارينا خمس مرات في السنة خلال الأعياد الدينية، ويفترض على كل من يريد المشاركة في هذه المناسبات، تسجيل اسمه لدى السلطات قبل الزيارة بيومين على الأقل.

السبت، أعطت السلطات إذناً استثنائياً للزيارة، بناء على طلب البطريرك الماروني، بشارة الراعي، الذي قدم من لبنان للمشاركة في استقبال البابا فرنسيس بقبرص، وتحدث البابا خلال زيارته عن «الجرح الذي تتألم منه هذه الأرض، الناتج عن التمزق الرهيب الذي عانته في العقود الأخيرة»، داعياً إلى حلّ الأزمة بـ«الحوار».

ومنذ عام 2014، توقفت المفاوضات التي سعت، برعاية الأمم المتحدة، إلى إيجاد حل لأزمة الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي المقسومة.

عند مدخل آيا مارينا، فتّش حاجز لعناصر أمن أتراك بلباس مدني كل السيارات التي دخلت القرية، والتقطوا صوراً لبطاقاتهم وجوازات سفرهم.

داخل الكنيسة المضاءة بمصباح كهربائي واحد، بسبب غياب الإمدادات بالكهرباء، وبأشعة الشمس، تسلل إلى جانب الزوار الـ50 تقريباً، أشخاص بلباس مدني وآخرون ارتدوا زياً كتبت عليه كلمة «شرطة» باللغة التركية.

وقال البطريرك الراعي داخل الكنيسة، حيث أحيا مع الموجودين صلاة صغيرة، إنه «يتابع قضية الموارنة القبارصة وكل البلدات المارونية التي تهجّرت، بحملها إلى المستويات العالمية دائماً».

أريد أن أعود

بعد آيا مارينا، توجه الموكب إلى قرية أسوماتوس، الواقعة على بعد نحو نصف ساعة إلى الشمال، وعند مدخل القرية يأخذ عناصر أمنيون جوازات سفر الداخلين أو هوياتهم، ويردونها عند انتهاء الزيارة.

وتسمح سلطات شمال قبرص لأهل أسوماتوس بدخولها كل يوم أحد للمشاركة في القداس الأسبوعي، بشرط إبلاغها كل يوم جمعة بالأسماء، ويفترض بالزوار أن يغادروا القرية فور انتهاء القداس.

كانت ماريا بارتيلا ستيفاني (71 عاماً) المتحدّرة من أسوماتوس بين الموجودين في القرية، السبت.

وروت لـ«فرانس برس» أن والدتها رفضت مغادرة القرية بعد الاجتياح، «في البداية، كان هناك 120 شخصاً، ومع مر السنين مات بعضهم، فيما انتقل آخرون إلى نيقوسيا، وبقيت والدتي إميليا وحدها».

ويروي أهل القرية أن إميليا كانت تصنع خبزاً وتبيعه للجنود الأتراك لتعيش.

وتابعت ستيفاني: «كانت والدتي آخر من عاش من أهل القرية في أسوماتوس، وتوفيت عام 2015».

بعد وفاتها، بدأت القوات التركية تستخدم منزلها لتمارين عسكرية.

وقالت إن لها منزلاً أيضاً مع زوجها في القرية: «لقد وُلدت وترعرعت هنا وتزوجت هنا، بُني منزلي قبل ثلاثة أشهر من الاجتياح، والآن يحتلّه قائد في الجيش التركي».

وأضافت أنيتا، شقيقة ماريا التي تعيش اليوم بمنطقة نيقوسيا في الشطر الجنوبي: «أُرغمت على الرحيل وأن أبدأ من الصفر، أريد أن أعود إلى هذه القرية».

خوف من الزوال

وقال مطران قبرص للموارنة، سليم صفير، لـ«فرانس برس»: «بالنسبة للموارنة الأصليين، هذه القرى هي حضورهم ووجودهم وبيوتهم وأساس حياتهم»، مشيراً إلى أن «زيارة البطريرك مهمة من الناحية المعنوية لإثبات وجودنا هنا».

غير أن البعض مثل جوزيفيديس يتخوّف من عدم القدرة على الاستمرار في إثبات الوجود، هذا على المدى الطويل.

وقال: «كلّما جئنا إلى هنا زاد حبّنا لهذا المكان، لكنني لا أعلم إلى متى سيستمر هذا، أنا في الـ68، وابني في الـ37 وقد يأتي إلى هنا بانتظام، لكن غيره قد يشعر بالإرهاق من المحاولات غير المجدية».

ويعود الوجود الماروني في قبرص إلى القرن الثامن، وكان عدد الموارنة آنذاك 80 ألفاً موزعين على 60 قرية، وتراجع العدد في ظل الحكم العثماني، ثم بعد تقسيم الجزيرة، واليوم لا يتجاوز عددهم 7000.

في كلمته الترحيبية بالبطريرك في آيا مارينا، قال مختار القرية، بارتيليس حاجي فيصل، القاطن في الشطر الجنوبي: «الناس الذين يسكنون هذه القرى يموتون يوماً بعد يوم»، مناشداً إيّاه والبابا فرنسيس متابعة ما يقومان به من أجل العودة.

وأضاف: «إذا لم يتغيّر شيء في وضعنا، سيختفي الموارنة من قبرص».

• يعود الوجود الماروني في قبرص إلى القرن الثامن، وكان عدد الموارنة آنذاك 80 ألفاً موزعين على 60 قرية، وتراجع العدد في ظل الحكم العثماني، ثم بعد تقسيم الجزيرة. اليوم لا يتجاوز عددهم 7000.

• منذ عام 2014، توقفت المفاوضات التي سعت، برعاية الأمم المتحدة، إلى إيجاد حلّ لأزمة الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي المقسومة.

طباعة