كـل يــوم

    لا عقل سليم ولا جسم سليم

    سامي الريامي

    نردد جميعاً مقولة «العقل السليم في الجسم السليم»، نحفظها ونعلمها لأطفالنا في المنازل والمدارس، لكننا للأسف لا نساعدهم على الوصول إلى عقل سليم ولا إلى جسم سليم، وهذا أمر مقلق للغاية يعانيه معظم أولياء الأمور، إن لم يكن جميعهم، وتأثيراته السلبية غير محدودة العواقب والنتائج، ولا يمكن حصر أعداد الذين سيتأثرون صحياً واجتماعياً وفكرياً منها، فهو دمار لجيل كامل قادم.

    الألعاب الإلكترونية والوجبات السريعة المضرة الشهيرة بـ«الجانك فود»، هل يمكن تخيل وجود منزل في الإمارات من دون وجودهما معاً؟ هل يوجد في الإمارات طفل واحد يحب أكل الخضراوات والسمك والأشياء المفيدة، ويكره «النجتس» و«البرجر»؟ وهل يوجد طفل لا يمتلك جهازاً إلكترونياً أو أكثر يلعب به لساعات طويلة من دون كلل أو ملل؟ قد يكون هذا الطفل موجوداً لكنه إن وجد فهو نادر وغريب، والمصيبة أن الصغار وصلوا إلى مرحلة قريبة جداً من إدمان هذين الشيئين مجتمعين معاً، ما يعني أننا مقبلون على جيل لا يمتلك التركيز والعقل السليم، ولا يمتلك جسماً وصحة وعافية!

    لن أعيد وأزيد في ثبوت أضرار الألعاب الإلكترونية، خصوصاً تلك الموجودة على شاشات الهواتف والآيبادات، والشاشات الصغيرة، ومعظم الدراسات تؤكد مضارها الأكيدة إذا تجاوزت فترة جلوس الطفل للعب عليها خمس ساعات أسبوعياً، أي بمعدل 45 دقيقة يومياً، وذلك بحد أقصى، فهل أطفالنا ملتزمون بهذا الحد الأقصى؟ وهل أولياء الأمور يتدخلون لضمان عدم تجاوز أطفالهم هذا الحد؟

    أما أضرارها فكثيرة ومتعددة، وأولياء الأمور على علم بها، فجميع وسائل الإعلام تحدثت عنها، وتنشرها بشكل دوري، فلا أحد مازال يجهل ضررها على نشاط الدماغ، وأثرها في التسبب بحالات الخمول والكسل والإجهاد الذهني، بشكل يُلحق الأذى بالذاكرة والاستيعاب، ولا أحد يجهل تأثيرها على حالات الأطفال النفسية، حيث بدأوا يفضلون العُزلة والجلوس في البيت، ويرفضون أي إغراء آخر للعب أو الخروج، فهم يشعرون بالمتعة فقط وهم ممسكون بهذه الأجهزة، ولا يهتمون أو يتفاعلون مع أي بشر من حولهم، ناهيكم عن الأضرار الأخرى التي تصيب مختلف أعضاء الجسم بتشوهات، وضعف عام، وضمور في بعض العضلات!

    ولأن المصائب لا تأتي فرادى، كان اقتران هذا الإدمان بإدمان تناول الطعام غير الصحي، وأيضاً نحن من يساعدهم عليه، فنوفره لهم متى ما طلبوه، والجهات المعنية بإصدار التراخيص أيضاً ساعدتنا بقوة على نشر جميع مطاعم الوجبات السريعة في المناطق السكنية وبجوار كل بيت!

    بعض الدول أدركت خطورة هذه المطاعم، وأسهمت الحكومات هناك في منع انتشارها، فدولة مثل الجبل الأسود كان لديها فرع واحد فقط لأشهر مطعم وجبات سريعة في العالم، لكن هذا المطعم أغلق أبوابه بعد أن بدأ المسؤولون في هذه الدولة يحذرون منه، نظراً إلى أن قوائمه لا تحتوي على أطعمة صحية، كما أنها تتسبب في السمنة!

    وفي بوليفيا، افتتحت هذه السلسلة الشهيرة ثمانية مطاعم لمدة أربعة عشر عاماً، وذلك قبل أن تصبح البلد الأول في أميركا اللاتينية الذي يسعى لخفض عدد مطاعم هذه السلسلة، حيث أنتجت فيلماً وثائقياً يشير إلى أن السكان لا يفضلون أطعمتها، وقال مسؤولوها إن «سلسلة مطاعم الوجبات السريعة الشهيرة لا تهتم بصحة البشر، لكن تشغلها فقط إيراداتها وأرباح الشركة»!

    أما هنا، ومع أن جميع أولياء الأمور يدركون أضرار هذا الطعام، لكنهم يتناولونه ويشترونه لأطفالهم، ليس في المناسبات فقط، بل بشكل شبه يومي، للدرجة التي أصبحت الوجبات السريعة الطعام الأول المفضل لدى الأطفال، وهم لا يكادون يأكلون غيره، فأي جيل ننتظر من دون عقل سليم، ولا جسم سليم!

    reyami@emaratalyoum.com

    twitter@samialreyami

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

    طباعة