فنجانان لا يتشابهان

* باحث زائر في جامعة هارفارد

د. كمال عبدالملك*

للقهوة في بلادنا العربية سيرةٌ أطول من أن تُروى على عجل، وأعمق من أن تختصرها جرعة سريعة في الطريق إلى العمل. نحن لا نشرب القهوة فحسب، بل نستقبل بها الضيف، ونفتتح بها الصلح، ونختم بها الطعام، ونقيس بمرارتها حلاوة الصحبة. وقد يكون الفنجان صغيراً، لكن المناسبة التي تحيط به كبيرة: زيارة، أو خطبة، أو عزاء، أو جلسة سمر، أو صباح هادئ على شرفة تطل على البحر.

أما في الولايات المتحدة، فالقهوة رفيقة الحركة، يحملها الأميركي في كوب ورقي كبير، ويشربها في السيارة، أو القطار، أو أمام الحاسوب، وربما تناول منها جرعات متتابعة وهو يعبر يوماً مزدحماً بالمواعيد.

ومع ذلك، جاء من أميركا أخيراً خبرٌ يسرّ عشاق البن في الشرق والغرب. فقد أعلنت جمعية القلب الأميركية أن تناول ما بين فنجانين وخمسة فناجين من القهوة المحتوية على الكافيين يومياً آمن في المتوسط للبالغين الأصحاء، بل قد يرتبط بانخفاض مخاطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب، وفشل القلب، والسكتة الدماغية.

ويشرح البروفيسور فرانك هو، أستاذ التغذية وعلم الأوبئة في جامعة هارفارد، أن القهوة ليست كافيين وحده، فهي تحتوي أيضاً على مركبات حيوية، منها البوليفينولات وحمض الكلوروجينيك، وقد تساعد هذه المواد على تقليل الالتهاب والإجهاد التأكسدي، وتحسين استجابة الجسم للإنسولين. لكن الرجل لا يدعونا إلى تحويل المقاهي إلى صيدليات، ولا ينصح من لا يشرب القهوة بأن يبدأ بها طلباً للوقاية، إنما يقول ببساطة إن المعتدلين من شاربيها يستطيعون الاطمئنان.

لعلّ الفارق الأجمل أن الأميركي يسأل: كم فنجاناً أستطيع أن أشرب من غير أن يختلّ نومي أو يضطرب قلبي؟ بينما يسأل العربي: مع مَن أشربه، وأيّ حديث سيفتحه هذا الفنجان بيننا؟ هناك تُقاس القهوة بالأونصات والملليغرامات، ويُراقَب أثرها على ضغط الدم وساعات اليقظة، وهنا تُقاس بطول الجلسة، ودفء اللقاء، وصدق المودّة، وبما يظلّ عالقاً في الذاكرة بعد أن تبرد الفناجين. في أميركا قد تكون القهوة وقوداً يُعين المرء على مواصلة يومه، وفي بلادنا تكون أحياناً ذريعة جميلة لإيقاف عجلة اليوم قليلاً، والجلوس إلى صديق افتقدناه، أو ضيف نودّ أن نطيل بقاءه. وبين الحسابين حكمة واحدة: اشرب قهوتك باعتدال كي لا يرهقك الكافيين، ولكن لا تبخل بالصحبة، فالقهوة الزائدة قد تؤرّق الجسد، أمّا الفنجان الذي نشربه وحدنا دائماً فقد يؤرّق الروح.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر