فن الادخار الياباني

محمد سالم آل علي

لا تبحثوا عن سر الاقتصاد الياباني في مصانع «تويوتا»، بل ابحثوا عنه في درج مطبخ ربة بيت يابانية. قبل أكثر من قرن من الزمان لم تملك المرأة اليابانية حق التصويت، أو حق فتح حساب مصرفي، خرجت صحافية متمردة اسمها هاني موتوكو، وقالت لهن: إذا لم يعطوكن المال، فعلى الأقل تعلمن كيف تُدرنه، وأعطتهن دفتراً صغيراً سمته «كاكيبو»، أي «دفتر حساب البيت».

مائة وعشرون عاماً مرّت، وهذا الدفتر الصغير لايزال يهزم كل تطبيقات الميزانيات التي اخترعها عباقرة سيليكون فالي، فإذا جرّبت تلك التطبيقات وربطتها بحسابك، فستعطيك رسماً بيانياً ملوناً يقول لك: لقد صرفت 37% من راتبك على المطاعم، ثم ماذا؟ لا شيء، يبقى الرسم ملوناً وتبقى أنت مفلساً، أما الـ«كاكيبو» فلا يعطيك رسماً، وإنما يعطيك صفعة، ففكرته لا تحتاج ذكاءً اصطناعياً، بل تحتاج صدقاً مع النفس.

في أول الشهر، قبل أن تشتري خبزاً، تجلس وتجيب عن أربعة أسئلة على ورقة بيضاء: كم سيدخل جيبك حقاً؟ وكم ستدخر منه أولاً وليس آخراً؟ وكم سيسمح لك أن تعيش؟ والأهم هو ماذا ستفعل لتحسن إنفاقك هذا الشهر؟ ثم تأتي الخدعة اليابانية، لا تقسم مصروفاتك إلى أكل ومواصلات وفواتير كأي محاسب ممل، بل قسمها كما تقسم الحياة، ما لا أستطيع العيش من دونه، ما أحبه لكني أستطيع العيش من دونه (وهنا تقع كل مصائبنا، من قهوة مامامياكركشينو إلى اشتراكات قنوات لا نشاهدها)، ثم ما يغذي عقلي وروحي، ككتاب، دورة، تذكرة متحف، وأخيراً مصروفات فجائية لم أخطط لها.

كل درهم تصرفه، تكتبه بيدك، وهنا السر النفسي الذي فهمه اليابانيون قبلنا، وهو الألم الذي تشعر به وأنت تكتب بيدك: 50 درهماً قهوة «رصاصة كافيين» من مقهى اسكوبار المختص بمدمني القهوة، فالورقة التي سجّلت فيها مصروفاتك ستفضحك في نهاية الشهر، وهنا ستحاسب نفسك: أين هرب مالي؟ هل كنت حزيناً فأكلت كثيراً؟ هل كنت أريد أن أبهر الناس فاشتريت ما لا أحتاج إليه؟ الـ«كاكيبو» لا يعلّمك كيف توفر المال، بل يعلمك كيف تسيطر على نفسك من أن تتحول إلى مدمن شراء.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر