تفاؤل رغم تبعات الأزمة

سامي الريامي

يبدو أن رغبة الناس في سماع أخبار «استقالات» مسؤولين كبار، جامحة وقوية، فردود الأفعال على مقالتَي، الأسبوع الماضي، كانت واسعة للغاية، كلتا المقالتين تحدثت فيها عن غياب ثقافة تقديم الاستقالة تحملاً للمسؤولية في الإمارات، على الرغم من وقوع البعض في أخطاء فادحة، تعدت الحد الممكن تجاوزه أو التسامح معه، هذا الطرح لامس شغاف قلوب كثير من أفراد المجتمع بمختلف أوساطه ومن مستويات مختلفة، وحرك مشاعرهم وأوجاعهم على ما يبدو! عموماً أنا لا أضمن أن تُحرّك مقالات من هذا النوع، مهما كانت نبرتها العالية، مشاعر أولئك الذين تسببوا بفضل ضعفهم الإداري و«غير الإداري»، في أخطاء «كارثية» يتطلب علاجها سنوات من العمل المضني، والجهد الخارق، وذلك لسبب بسيط هو أن كلاً منهم يعتقد أنه أحسن صنعاً، ولن تجد منهم من سيعترف بخطئه! ومع ذلك، وسواء اعترف مثل هؤلاء بأخطائهم أم لم يعترفوا، استقالوا أم لم يستقيلوا، فإن الرأي العام والمجتمع يشعران بارتياح بالغ على الرغم من توابع الأزمة، وفداحة الأخطاء، هذا الارتياح منبعه سعي الحكومة «الجدي» لتجاوز تلك المرحلة السيئة الذكر، مرحلة الفردية، والتخطيط المنفرد، ومرحلة البعد عن الرقابة، والصرف من دون حساب أو تدقيق، مرحلة التعيين والتوظيف العشوائي لغير المؤهلين من أنحاء العالم كافة، ومرحلة الرواتب العالية الخيالية لمن يستحق ولا يستحق، ومرحلة الإهمال في التعامل مع المال العام، وصرف الملايين كأنها دراهم، ومرحلة «الإسراف على النفس» بكل تبذير وبذخ من «جيب الحكومة» وأموالها!

انتهاء هذه المرحلة، هو في حد ذاته إنجاز كبير، والدخول إلى مرحلة جديدة تقوم على أسس الرقابة المالية، والتنظيم المؤسسي، ومرحلة التأسيس القانوني واستكمال إصدار التشريعات والقوانين المنظمة للتعامل مع المال العام، وتحريم وتجريم العبث بكل درهم من دراهم الحكومة؛ هو ما يجعل الناس تعيش الآن نشوة تراجع الأزمة المالية.

شعور بالارتياح لمسته في ردود أفعال كثير من المتصلين والمعقبين، فهم شبه متأكدين من التخلص بشكل شبه كامل من أخطاء المرحلة السابقة، بل هم متأكدون من أنه لا مجال لعودة الماضي بصورته الغريبة والمريرة.

لن نبكي على اللبن المسكوب، فالأزمة المالية لم تكن نتائجها سلبية بالكامل، فما كانت سلبياته ناجمة عن تعاملات عالمية وتباطؤ عالمي، فهذه أمور مرتبطة بدورة اقتصادية تنتعش وتنكمش، والمسألة بحاجة إلى سنوات قليلة ليستعيد العالم أنفاسه، وما ينطبق على غيرنا في هذا المجال سينطبق علينا، بل نحن أكثر تفاؤلاً من بقية العالم في عودة الانتعاش سريعاً، أما ما كان ناجماً عن أخطاء الطفرة والنمو السريع، فإن الهدوء الحالي وإعادة التفكير في الاستراتيجيات والخطط، هو نجاح لا يمكن اعتباره فشلاً، بل هو ضرورة جاءت في وقتها، والأزمة المالية العالمية علمتنا محلياً أشياء كثيرة، وفي قطاعات مختلفة، ليس الاقتصاد أولها ولا الأموال آخرها.

الأزمة منحتنا دروساً كثيرة، وعلمتنا الكثير، ونبهتنا إلى أمور لم نكن لنتنبّه إليها، وكشفت لنا العيوب والأخطاء، وأنارت لنا طرقاً كانت غامضة، وعرفنا فيها الصديق من العدو، والمجتهد من المدعي، والناجح من الفاشل، وجزى الله الشدائد كل خير.

 

reyami@emaratalyoum.com

طباعة