هبة أم دين؟

*محكم ومستشار قانوني

محمد نجيب*

كثير من الآباء يبادرون إلى تقديم دعم مالي لأحد الأبناء، ربما لمساعدته على شراء منزل، أو تأسيس مشروع، أو سداد ديون، أو تجاوز أزمة مالية، وقد تمتد هذه المساعدات لسنوات، وتصل في مجموعها إلى مبالغ كبيرة.

الأب في مثل هذه الحالات تكون لديه أسبابه، فربما يتعاطف مع ابن بعينه لأنه أقل حظاً من أشقائه، ولا يحرص على توثيق مقدار الأموال أو الهبات التي يمنحها لهذا الابن، باعتبارها شأناً أسرياً تحكمه الثقة، ولقناعته بأن تصرفه في ماله الخاص لا يمثل ظلماً لبقية الأشقاء.

الواقع في حالات عدة أن المشهد يتغير بعد وفاة الأب، عندما يفتح تقسيم التركة باباً لخلاف لم يكن مطروحاً في حياته، إذ يرى بعض الورثة أن الأموال التي حصل عليها أحد الأبناء تعد قروضاً يتعين عليه ردها قبل توزيعها، بينما يتمسك الابن بأنها كانت هبات ومساعداته منحه إياه والده عن طيب خاطر، ولا يجوز مطالبته بردها.

والسؤال هنا، بعيداً عن حساسية الموقف، ومشاعر الأب أو مبرراته هو، متى تعتبر الأموال التي دفعها الأب لابنه هبة مكتملة الأركان، ومتى تكون قرضاً واجب السداد؟

المادة 552 من قانون المعاملات المدنية تعرف الهبة بأنها عقد يلتزم بمقتضاه الواهب حيال حياته، فيما تعتبر المادة 585 وفاة أحد طرفي عقد الهبة مانعاً في الرجوع فيها، ومن ثم لا يجوز التعامل مع الأموال الموهوبة باعتبارها ديناً مستحقاً للتركة، لمجرد أن بقية الورثة يعترضون على حصول أحد الأبناء عليها، بشرط اكتمال شروطها وتوثيقها.

لاشك في أن للأب حرية التصرف في أمواله خلال حياته، وأن يساعد أبناءه وفق احتياجاتهم وظروفهم، لكن لا يعني ذلك التفضيل بينهم بشكل مطلق ودون ضوابط، حتى لا تتحول لاحقاً إلى سبب للخلاف والانقسام داخل الأسرة أو تثير الكراهية والأحقاد.

المشرع الإماراتي راعى ذلك بحكمة في المادة 585 التي تتناول الهبات المقدمة إلى الزوج أو ذي الرحم المحرم، إذ تجعل عدم وجود مفاضلة بلا مبرر شرطاً في الحالة التي يحددها النص لتكون مانعاً من الرجوع في الهبة.

ومن واقع نزاعات عدة، توصيتنا للأب أن يحدد من البداية طبيعة ما يقدمه، هل هو هبة نهائية للابن، أم قرضاً واجب السداد، وأن يوثق ذلك كتابة، مع الاحتفاظ بسجلات التحويلات والاتفاقات، وتوضيح أسباب أي تفاوت جوهري في المساعدات بين الأبناء، لأن التوثيق هنا لا يحمي المال فقط، بل يحصن إرادة الأب، ويجنب الأبناء خلافات قد تمتد لسنوات.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر