معرض جيتا ميه في دبي يأتي «انتصاراً لكرامة الإنسان»

فنانة إيرانية تعيد صياغة جدارية مايكل أنجلو

جيتا ميه: وظّفت المنمنمات الشرقية لإبراز الواقع الراهن. تصوير: دينيس مالاري

أكدت الفنانة التشكيلية الإيرانية جيتا ميه، التي تقيم في دبي، ان الفن هو ابن الحياة، يتطور مع تطورها ومتطلباتها. وعملت الفنانة على اعادة تشكيل لوحات الأمس بلمسات اليوم. وفي معرضها الذي حمل عنوان «انا القيادة» وافتتح، اول من امس، في غاليري «كوادرو» في مركز دبي المالي العالمي، اظهرت ميه من خلال لوحاتها قدرتها رسامة ونحاتة ومصورة فوتوغرافية على «عولمة الماضي»، في تفكيكها لجدارية كنيسة سيستين الموجودة في الفاتيكان التي رسمها مايكل انجلو في الفترة من 1508 الى ،1512 والتي مثلت ذروة فنون عصر النهضة، وصور فيها الفنان قصصاً دينية بدءاً من فصل النور عن الظلام، وحواء وآدم، وسفينة نوح. وكانت ميه قد وضعت خطوطها الاولية لهذا المشروع قبل 28 عاماً، وقررت ان تظهره للنور العام الجاري.

الظلام والنور

تعد زخرفة سقف كنيسة سيستين من الاعمال الفنية الضخمة للفنان مايكل انجلو، والتي تعتبر احدى قمم فن عصر النهضة، فعندما توقف انجلو عن العمل على قبر يوليوس الثاني بدأ بتكليف من يوليوس نفسه، بزخرفة سقف كنيسة سيستين في روما، خلال الفترة بين 1508 و،1512 وابدع انجلو اجمل المخططات التمهيدية لزخرفة سقف الكنيسة البابوية في الفاتيكان من خلال رسومه المتشابكة وزخارفه المعقدة، واستطاع تصوير سفر التكوين لدى الانجيل بدءاً من فصل الظلام عن النور مروراً بقصة آدم وحواء منهياً بقصة نوح.

وتجسد ميه إبداعاتها عبر وسائل عدة تشمل الرسم والشعر والتصوير والنحت والأعمال المُجسمة والفنون الأدائية وغيرها. وكانت قد نظمت معارض فنية فردية في إيران والإمارات والولايات المتحدة الأميركية واليونان وهولندا.

رؤية

الفنانة المولودة في طهران عام ،1963 اكدت في معرضها الذي يتضمن 55 لوحة، ويستمر حتى 28 من فبراير المقبل، ان فنها يعبر عن «الانتصار لكرامة الانسان، ويعبر عن آلامه واحلامه وحريته». وقالت لـ«الإمارات اليوم» عن اعادة رسم عمل انجلو برؤية جديدة: «لقد استطاع مايكل انجلو ان يمزج القصص الدينية بالخيال في كنيسة سيستين، رابطاً جسد الإنسان بعقله وروحه، مستغلاً الفراغ للإيحاء بكثرة الشخوص، وفي اتساع المساحة، هاجرا فكرة تزيين السطوح بالتصميمات الزخرفية المقتبسة عادة من عالم الأشكال النباتية».

وأضافت ان مايكل انجلو عمل على «تقسيم السطح الكلي للجدارية وفق ما جاءت به فلسفة الشكل عند الفيلسوف الإغريقي أفلاطون الذي تأثر بأفكاره، مؤمناً بالقوة الخارقة التي تعلو قوة الإنسان وتوجه نشاطه، وهي قوة الإلهام»، موضحة ان «الفنان مزج بين اللاهوت التقليدي الذي تسيطر عليه فكرة فلسفية ودينية موحدة».

وهذا ما أرادته ضمنياً الفنانة ميه من اعادة تفكيك الجدارية، وقالت: «اردت ان اجسد التجربة البشرية من آلام واحساس وحماسة، واسقاطها على ما يحدث في بلدي ايران، لكن بشكل يفهمه الجيل الجديد»، إذ استعانت الفنانة برموز عصرية، مثل الحواسيب النقالة وحقائب اليد النسائية والأحذية ذات الكعب العالي وغيرها، مضيفة ان هدفها من ذلك تمثل في «ابراز سرمدية الحالة الإنسانية، وتوق الإنسان للحرية والمعرفة والتعبير عن مكنونات النفس، ونقاط الالتقاء بين الشرق والغرب».

واشارت ميه من خلال لوحاتها الى ان انجلو «وضع رموزاً اسقط عنها القواعد الفنية التقليدية، من خلال الفوضى العارمة لأرواح البشر وهي تنطلق من قبورها، متدفقة بقوة وعنفوان، كأنها نهر جارف من الأحاسيس والمشاعر وطلبات الاستغاثة للحفاظ على كرامة الانسان».

فوضى

إعادة عولمة لوحات الماضي في نتاج حديد يضم 55 لوحة لا يختلف كثيراً عن فوضى انجلو، إذ تظهر كل تفاصيل من ملابس وحواسيب واجهزة هواتف نقالة وكتيبات الكترونية. واضافت «فعلت ذلك لاقول إن العالم يمنحنا فرصاً لنعرف اكثر من المحيط الذي نعيش فيه، وان أي نظام يعتقد نفسه مسموعاً من جهة واحدة هو خاطئ، لان المعلومات باتت قريبة اكثر منه، فالحرية مطلب لكل من يريد الحياة».

وكانت الفنانة ميه بدأت الاشتغال على فكرة جدارية مايكل انجلو منذ 28 عاما «عندما كنت ادرس في مدينة فلورنسا الايطالية، كنت ومازلت مأخوذة بأنجلو وفلسفته الفنية. وكان من الطبيعي ان يكون لدي كتاب يحوي جميع اعماله». واضافت «جربت أن أرسم تخطيطات خاصة الى جانب كل لوحة وفق مفهومي الخاص، ووضعت تصوراً لكل الاعمال التي تعرض حالياً في المعرض، ولكنني اغلقت الكتاب ونسيت او تناسيت الموضوع». واضافت «على الرغم من مرور تلك السنوات الطويلة، الا ان الفكرة ظلت تأسرني، خصوصاً في ظل الاوضاع التي تعيشها المنطقة وبلدي ايران، فرأيت ان اعبر عن حزني من خلال احياء هذا المشروع الذي ظل مختبئاً 28 عاما». وربما تساءلت ميه، قبل أن تعمد إلى تنظيم معرض خاص بهذه الأعمال، عن دافعها من ترك بصمتها على لوحات الكتاب: هل كانت تريد تخريبها عن عَمْد، أم تقمّص دور الرقيب عليها، أم تزيينها؟

تفكيك الجدارية لم يكن عملاً سهلاً بالنسبة لميه التي درست الفنون في إيران وأوروبا وفالنسيا ومعهد كاليفورنيا للفنون، خصوصاً انها وضعت انجلو امام عينها، «حاولت ان اضفي بعداً إقليمياً لأعمال مايكل أنجلو التي لا ينحصر سحرها، حسب قناعتي، كونها روائع فنية تمثل تجليات بشرية، حيث حاولت توظيف تقنية المُنمنمات الشرقية لإبراز الوقائع الاجتماعية والسياسية الراهنة في المنطقة».

طباعة