إسلام ألماني وثلوج قطبية

«شهادة» فيلم مبني على إيقاع سريع وحافل بالصراع بين الديني والدنيوي.

اسم الفيلم «شهادة»، مخرجه برهان قرباني، ألماني من أصول أفغانية، تحتل ملصقه امرأة محجبة. إنه الفيلم الذي افتتح عروض اليوم السابع من الدورة 60 من برلين السينمائي، وضمن عروض المسابقة الرسمية، وعلى شيء من تقديم فيلم له أن يكون عن حياة الجالية المسلمة في ألمانيا، وذلك عبر ثلاثة خطوط درامية تلتقي وتفترق، تتشابك وتتعقد على طول مدة الفيلم.

مخرج الفيلم برهان قرباني، جاء ألمانيا طفلاً صغيراً برفقة أمه عام 1979 بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان، ومن ثم جاء جده الذي تولى رعايته بينما أمه تعمل، يروي قرباني، ويستعيد كيف كان جدهأ يدعو له ويقرأ عليه بضع آيات باللغة العربية قبل أن يمضي إلى المدرسة، مستعيداً بسملته في تقديمه للفيلم، الذي يعتبر عنوانه قادماً من هذه الذكرى المحفورة عميقاً في داخله، وعلى شيء من تقديم ما يعتبره فعل التجاور بين الإيمان الإسلامي والحياة الألمانية، مؤكداً في الوقت نفسه أهمية مجاورة الحياة الدينية أو الروحية للحياة اليومية.

في فيلم «شهادة» نمضي مع ضابط الشرطة إسماعيل «ألماني من أصول تركية» يعمل في دائرة الهجرة وتورطه في علاقة مع مهاجرة غير شرعية ومساعدتها في النجاة مرتين من التسفير في انحياز لمشاعره الشخصية على حساب مهامه ووظيفته، التي سنكتشف في سير العلاقة أنه أطلق الرصاص عليها في الماضي، فأجهضت ما كانت تحمله في أحشائها، بينما يحضر سامي الذي يعيش صراعاً بين إيمانه الكبير ورغباته الجنسية المحرمة التي تكون مثلية وباتجاه زميله في العمل، بينما نقع ومن أول الفيلم على مريم وهي تجهض ما تحمله في بطنها، وانقلابه إلى تدين متطرف لا يقبل أفكار والدها رجل الدين المستنير، الذي يركز دائماً على المحبة والتراحم التي يحملها الإسلام.

الفيلم مبني بإيقاع سريع ومتواتر، ومأخوذ بعالم كل شخصية وهي تعيش حياتها وأحداثها وإلى جوارها دائماً حياتها الدينية، وفي مسعى من الفيلم لتقديم الدين كعامل رئيس في حياة تلك الشخصيات وكل حسب مقاربته وحياته، ومساعيه في أن تكون على تناغم لا على تصارع مع القيم الإسلامية، التي تجد في رجل الدين الذي تلتقي لديه كل الشخصيات مقاربة دينية للحياة تحرص فيها أولاً على قيم الحب والإخاء وغيرها من أفكار نبيلة، ومع انفتاح على الخطايا كون ما يقابلها دائماً هو المغفرة، دون تشنج أو تعصب، ولعل الفيلم يقدمه كنموذج تستدعيه الحياة الألمانية، وبكلمات أخرى نموذج تحتفي به الثقافة الألمانية.

أفيلم «شهادة» يجبرنا على المضي خلف ما يطرحه من أفكار، تشعرنا في لحظات كثيرة بأننا في مكان آخر غير السينما، لكن تبقى فضيلة الفيلم الرئيسة حرصه على تقديم بشر من لحم ودم، يعيشون ويحبون ويكرهون ويغضبون ويخطئون، لكنهم في النهاية مصرون على الانتماء إلى ثقافاتهم الأصلية والدينية تحديداً، وبالتالي تقديم ما يمكن أن تكون عليه حياتهم في تصارع الديني مع الدنيوي، خصوصاً أنهم يعيشون في ألمانيا.

المقولات وبؤرة التصارع في «شهادة»، ستمضي خلف هم سينمائي خالص في فيلم روسي مميز جداً تم عرضه أول من أمس، ضمن أفلام المسابقة، وحمل عنوان «كيف أنهيت ذلك الصيف» إخراج وكتابة إلكسي بوبوغربسكي.

يمضي الفيلم إلى النائي والبعيد أفي تعقب لما تكون عليه حياة رجلين في مرصد جوي في أبعد نقطة في الكون، وبالتأكيد ستكون في القطب الشمالي، واسمها شوكوتوكا، حيث تصنع الدراما في هذا الفيلم من خلال نشوء تصارع بين الرجلين يأتي من جهات عدة، سواء كانت متعلقة بالبيئة المحيطة أو العزلة أو تباين العمر بين الرجلين، لا بل ان ينشأ من خلال ما يمكن تجنبه، وذلك أن رسالة تصل الشاب بخصوص مقتل زوجة وابنة شريكه في حادث سيارة، وعبر تعثر اخبار الشاب ذلك لشريكه، إما لتدخلات قدرية أو بسبب تردده هو الأخرق، الذي يعيش حياة واهية يتجلى الصراع لديه من خلال ألعاب الفيديو.

هذه المجاورة تحتمل أن تكون مجاورة بين جيلين، الأول عاش كل شيء على حقيقته، صارع وحارب ونازع، بينما الجيل الثاني الذي يمثله الشاب غير مبال ويعيش حياة افتراضية إما من خلال سماعتين في أذنيه أو لعبه على الكمبيوتر.

الفيلم غني جداً، ولعل لحظة الصراع بين الرجلين تقوده إلى تصعيد مدروس بعناية، ولعل البيئة تحضر بتفاصيلها، نعيش الثلوج والبحر والعزلة وصوت الريح بدقة مفرطة، وصولاً إلى المخلفات النووية التي تحتويها الجزيرة، التي سرعان ما يتلوث بها الشاب، وينتقم من شريكه بتلويث السمك الذي يملحه ويأكل بتلك الاشعاعات. كل ما في الفيلم يدعونا إلى عالم خالص متأتٍ من البيئة أولاً ومعها شخصيتا العمل الرئيستان، حيث الغوص في أعماقهما يأتي من أفعالهما وليس من أي شيء آخر، ما من حوارات طويلة، لا بل إن الحوار لا يتعدى أموراً متعلقة بعملهم، مع ملاحظات سريعة من الرجل الأكبر عمراً على أداء الشاب، وذكره قصة أو قصتين توضح له كم عانى من كان قبلهم في هذه المحطة، وفي مسعى دائم لقتل الاستهتار الذي يسكن الشاب، والذي يكون في النهاية كفيلاً بتحويل لا شيء إلى كل شيء، وعيش حالة هرب محمومة وما من خطر حقيقي يتهدده.

ثالت الأفلام التي نعرض لها بمثابة الفاكهة الأميركية التي تحملها يومياً تقريباً عروض برلين، وعلى شيء من فسحة ترفيهية ربما تقدمها هكذا أفلام، والذي كان أول من أمس بعنوان «الأولاد على ما يرام» وقد لعب البطولة فيه كل من جوليان مور ومارك رافلو، ويحكي عن قصة ولدين وعيشهما بالتبني في رعاية امرأتين متزوجتين زواجاً مثلياً، ومن ثم إقدام الولدين على التواصل مع المتبرع بالنطف التي تشكلا منها، ما يؤدي إلى تشابك العلاقات، وتكشفها عن أزمات كثيرة متوارية، لها أن تظهر من جهات عدة بحيث يكون العنوان على شيء من المفارقة، وربما السؤال «هل حقيقة أن الأولاد على ما يرام؟».

طباعة