تحوّل إلى ثالث أكبر قوة في تاريخ السينما من حيث الإيرادات
«سبايدرمان» لا يشيخ.. «ماكينة مليارات» تتحدى أضخم الإنتاجات العالمية
لم يعد «سبايدرمان» يطارد الأشرار فوق ناطحات السحاب، بل أصبح يطارد أرقاماً ظلت لسنوات طويلة حكراً على عمالقة السينما، فقد تجاوز «Spider-Man: Brand New Day» حاجز 2.33 مليار دولار في شباك التذاكر العالمية، ليحتل المركز الثالث بين أعلى الأفلام إيرادات في تاريخ السينما، خلف «أفاتار» و«أفنجرز: إندغيم» حتى كتابة هذا التقرير.
ولم يكن الوصول إلى هذا الرقم بطيئاً أو تدريجياً، فقد سجل الفيلم افتتاحية عالمية بلغت نحو 927 مليون دولار، في ثاني أكبر افتتاح عالمي في التاريخ، ثم تجاوز حاجز ملياري دولار خلال ثلاثة أسابيع فقط، والأهم أن الإيرادات لم تعتمد على السوق الأميركية وحدها، إذ جاء نحو 1.44 مليار دولار من الأسواق الدولية، مقابل نحو 892 مليون دولار في أميركا الشمالية، ما يعني أن أكثر من 60% من الإيرادات جاءت من خارج الولايات المتحدة وكندا.
هذه الأرقام تكشف أول مفاتيح الظاهرة: «سبايدرمان» لم يعد مجرد فيلم أميركي ناجح، بل أصبح علامة سينمائية عالمية قادرة على تحويل اسم الشخصية إلى طلب جماهيري في عشرات الأسواق في الوقت نفسه.
واللافت أن الفيلم الجديد تجاوز أيضاً إيرادات «Spider-Man: No Way Home» الذي حقق نحو 1.92 مليار دولار، ليصبح أول فيلم في تاريخ الشخصية يتخطى حاجز المليارين، وبذلك ارتفع السقف التجاري لـ«سبايدرمان» نفسه إلى مستوى جديد، بعدما كان «No Way Home» يمثل الذروة السابقة للسلسلة.
لكن قراءة هذه الأرقام باعتبارها مجرد انتصار في شباك التذاكر تختزل القصة، فـ«سبايدرمان» لا يبدأ كل مرة من الصفر، عندما تطلق هوليوود شخصية جديدة، تحتاج إلى إنفاق كبير لتعريف الجمهور بها وبناء الاهتمام حولها، أما الرجل العنكبوت، فيدخل السوق ومعه اسم معروف، وقناع مألوف، وشخصية رسخت حضورها في الثقافة الشعبية منذ ظهورها الأول عام 1962.
وهذا يمثل قيمة تجارية ضخمة، فالحملة التسويقية للفيلم الجديد لا تحتاج إلى إقناع الجمهور بمن هو «سبايدرمان»، بل تحتاج أساساً إلى إقناعه بأن لديه سبباً جديداً للعودة إلى السينما لرؤيته.
ستة عقود
خلال أكثر من ستة عقود، انتقلت الشخصية من صفحات القصص المصورة إلى التلفزيون والرسوم المتحركة وألعاب الفيديو والسينما، والمنتجات التجارية، وكل جيل حصل على نسخة مختلفة منها، من توبي ماغواير إلى أندرو غارفيلد ثم توم هولاند، من دون أن تفقد الشخصية هويتها الأساسية.
وهنا تكمن واحدة من أقوى مزايا «سبايدرمان»: قدرته على إعادة إنتاج نفسه من دون أن يصبح غريباً عن جمهوره.
فالأفلام التي تخطاها في شباك التذاكر تمثل نماذج مختلفة تماماً للنجاح، «تايتانيك» صنع ظاهرة رومانسية عالمية، و«أفاتار: طريق الماء» اعتمد على قوة العالم البصري والتكنولوجيا وتجربة المشاهدة، بينما كان «أفنجرز: إندغيم» ذروة مشروع سردي ضخم امتد أكثر من عقد، أما «سبايدرمان»، فيستمد قوته من شيء مختلف: شخصية واحدة تمتلك رصيداً ثقافياً متراكماً يمكن إعادة استثماره باستمرار.
وهذا ما يجعل تجاوزه «تايتانيك» و«أفاتار: طريق الماء» أكثر من مجرد انتقال في جدول الإيرادات، إنه دليل على أن العلامة السينمائية القديمة تستطيع منافسة أحدث وأضخم المشروعات عندما تمتلك قاعدة جماهيرية عابرة للأجيال.
والأهم أن هذه القوة لا تتوقف عند بيع تذاكر السينما، «سبايدرمان» جزء من منظومة تجارية أوسع تضم الألعاب والمنتجات والتراخيص، والرسوم المتحركة والمحتوى الرقمي وغيرها، لذلك فإن نجاح فيلم جديد يعيد تنشيط قيمة الشخصية في هذه القطاعات، بينما يساعد انتشارها في تلك القطاعات على إبقاء الشخصية حاضرة في حياة الجمهور بين فيلم وآخر.
وحتى ميزانية الإنتاج التي تقدر بنحو 225 مليون دولار توضح حجم الرهان، وإن كان من الخطأ اعتبار إيرادات شباك التذاكر أرباحاً صافية للاستوديو، فالإيرادات تتوزع بين دور العرض والموزعين والاستوديو، فضلاً عن تكاليف التسويق والتوزيع، لكن الوصول إلى أكثر من 10 أضعاف ميزانية الإنتاج من الإيرادات العالمية يوضح حجم القوة التجارية التي تتمتع بها الشخصية.
الإنسان العادي
المال وحده لا يفسر هذه القفزة في الإيرادات، فهناك سبب أكثر عمقاً يتعلق بتركيبة «سبايدرمان» نفسه، وبالطريقة التي صُممت بها الشخصية منذ ظهورها الأول عام 1962، فبيتر باركر لم يُكتب باعتباره بطلاً خارقاً مكتمل الأوصاف، بل باعتباره إنساناً عادياً وجد نفسه فجأة أمام قوة استثنائية ومسؤولية أكبر من عمره وقدرته على الاحتمال.
خلف القناع شاب يقلق بشأن المال والدراسة والعمل والعائلة والحب، ويرتكب الأخطاء، ويخسر من يحب، ويشك في قراراته، ثم يعود في كل مرة محاولاً أن يفعل الصواب، قوته الخارقة هي الجزء الأقل إنسانية فيه، أما ما يجعله قريباً من الجمهور فهو كل ما يحدث عندما يخلع القناع.
هذه الفكرة البسيطة صنعت للشخصية ميزة نادرة في الثقافة الشعبية: يمكن تغيير زمنها من دون تغيير جوهرها، يستطيع صناع الأفلام أن ينقلوا بيتر باركر من نيويورك في الستينات إلى عالم التكنولوجيا في القرن الـ21، وأن يغيروا الممثل والأسلوب البصري واللغة السينمائية، من دون الحاجة إلى إعادة اختراع الشخصية من جذورها، فالصراع الأساسي يبقى نفسه: كيف يعيش شاب حياة طبيعية، بينما تفرض عليه قدراته مسؤولية استثنائية؟
لهذا لم تكن سلسلة «سبايدرمان» مجرد سلسلة أفلام متعاقبة، بل عملية إعادة تقديم مستمرة لشخصية واحدة إلى جمهور جديد، توبي ماغواير لم يكن يلغي ما سبقه، وأندرو غارفيلد لم يكن يمحو ماغواير، وتوم هولاند لم يبدأ من الصفر، كل نسخة أضافت طبقة جديدة إلى شخصية أصبحت ذاكرتها أكبر من أي ممثل يجسدها.
. لم يعد «سبايدرمان» يطارد الأشرار، بل أصبح يطارد أرقاماً ظلت لسنوات حكراً على غيره.
. الفيلم الأخير من «السلسلة» تجاوز حاجز 2.33 مليار دولار في شباك التذاكر العالمية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news