أبوظبي تحتفي بـ «50 عاماً من الفن» في معرض استعادي

عبدالقادر الريس.. من رسم الذات إلى تجليات «الهاء والواو»

صورة

50 عاماً محمّلة بالإبداع والتطوّر، يرصدها المعرض الاستعادي للفنان الإماراتي عبدالقادر الريس، الذي تنظمه دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي في منارة السعديات تحت عنوان: «عبدالقادر الريس: 50 عاماً من الفن»، ويفتح أبوابه للجمهور اليوم.

عبر ستة أقسام تضم ما يزيد على 70 لوحة، يتتبع المعرض مسيرة الريس الفنية بداية من أولى لوحاته التشخيصية ورسمه لذاته مستعيناً بمرآة، وحتى أعماله الأخيرة في فن الخط التجريدي وتجليات «الواو والهاء» في حروفياته بشكل خاص، وما شهدته من أحداث أسهمت في تغيير فكر الفنان وأساليبه الفنية في الرسم، وأحداث أخرى جسّدها في لوحاته منذ ستينات القرن الماضي وحتى الآن.

بورتريه

بمجموعة من الاسكتشات التي رسمها الفنان لنفسه، يبدأ المعرض الذي يستمر حتى 23 مارس المقبل، ليرصد بدايات الريس التي انحازت إلى المدرسة التشخيصية، بحسب ما أوضح الفنان الإماراتي خلال الجولة الإعلامية التي نظمت، صباح أمس، لافتاً إلى أن هذه الأعمال تعود إلى نهاية الستينات وبداية السبعينات، وكان وقتها يستعين بمرآة يضعها في مرسمه ليرسم نفسه، متأثراً في تلك الفترة بالفنان العالمي رامبرانت، في حين يرجع تاريخ أقدم صورة شخصية «بورترية شخصي» رسمها لنفسه إلى عام 1970، وكان وقتها في الـ19 من عمره، إذ بدت خلفية اللوحة كلمسات بفرشاة التلوين اعتمدت اللون الأزرق بدرجاته، ما أضفى شعوراً بالعمق على اللوحة.

بينما ترجع أقدم لوحة في المعرض إلى عام 1966، وكان وقتها الريس في الكويت، وعكست اللوحة تأثراً بفناني المدرسة الرومانسية. كذلك ضمّ هذا القسم مجموعة من أعمال الفنان الشهيرة، منها بورتريه «عبيد وموزة»، الذي رسمه عقب عودته من الكويت للاستقرار في الإمارات، ولوحتا «الانتظار» 1968، و«الأمل» 1970، اللتان عبّر فيهما عن معاناة اللاجئين الفلسطينيين، والمشاعر التي سادت الوطن العربي عقب نكسة 1967. وعُرضت هذه الأعمال في المعرض الفردي الأول للفنان عام 1973، ثم تبعته فترة توقف عن إنتاج أعمال فنية دامت حتى عام 1982، أتلف خلالها مجموعة كبيرة من لوحاته.

إلى جانب اللوحات، يضم القسم الأول من المعرض، الذي حمل عنوان «اللوحات التشخيصية الأولى» اسكتشات للوحات، ووثائق شخصية للفنان وصوراً له وهو في معارض شارك فيها خلال وجوده في الكويت.

عودة

«الوطن» هو عنوان القسم الثاني من المعرض، ويضم أعمالاً تعكس نقلة لم تقتصر فقط على المدرسة الفنية لعبدالقادر الريس، ولكن في فكره وفلسفته في الحياة. واعتمدت تلك المرحلة التي جاءت بعد فترة التوقف، على رصد التغيّر والتطوّر السريع الذي شهدته دولة الإمارات تجاه الحداثة، وغلبت على أعماله فيها رموز عدة، ارتبطت بهذه التحوّلات والتمسك بالماضي خلال العبور إلى المستقبل، مثل الأبواب الخشبية التراثية المفتوحة على الآتي والبدايات الجديدة، وجذوع النخيل التي تعكس الماضي بأصالته ورسوخه، وكذلك البراجيل والقوارب التراثية.

كما استلهم الريس من العمارة القديمة شكل المربع الذي تكرر في كثير من لوحاته. ومن أبرز الأعمال التي تنتمي إلى تلك الفترة: «سفن» و«عصر يوم حزين» و«الماضي والمستقبل»، وفي عام 1987 أقام الريس معرضه الفردي الثاني.

«الأرض والسماء»

ميل الفنان إلى تأمل الطبيعة والعلاقة المعقدة بينها وبين الإنسان، ومحاولة استكشاف عظمة خلق الله سعياً إلى الوصول إلى الطمأنينة والسلام الداخلي، قادت الريس ليقدم أعمالاً فنية جمعها القسم الثالث من المعرض تحت عنوان «الأرض والسماء».

وتميزت أعمال هذا القسم بأحجامها الكبيرة وارتباطها بطبيعة الإمارات وألوانها المبهرة التي تتنوّع مع تغيّر الأماكن والبيئات في الصحراء والجبال والسماء والبحار، مركزاً فيها على الأماكن المرتبطة بجذور الدولة والأزمنة القديمة التي كانت تتسم بالبساطة، ليحيي ذكرى من رحلوا، ولكن ظلت الأماكن شاهدة على هذه الذكريات، معتبراً أنه «إلى جوار الجانب الجمالي، يتمثل دور الفنان في تسجيل التاريخ والحفاظ عليه».

ناس وأحداث

لأن الفنان لا ينفصل عن محيطه الذي يعيش فيه، من الطبيعي أن تعكس أعماله ما يشهده هذا المحيط من أحداث ومتغيّرات، ويعبّر من خلالها عن موقفه منها، ولذلك خصص المعرض قسماً بعنوان: «الناس والزمن»، ليضم لوحات استخدم الريس فيها الرسم وسيلة للتعبير عن تصاعد وتيرة الأحداث السياسية والاجتماعية في الوطن العربي، مثل لوحة «الانتفاضة» التي جسّدت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في ديسمبر 1987، ولوحة «لغم» التي واكبت حرب الخليج، ثم لوحة «العداد» التي قدمها مع بداية الربيع العربي عام 2011، ويظهر في جانبها عداد رقمي يتحرك سريعاً في إشارة إلى التصاعد المطرد في أعداد الضحايا.

أما لوحة «الكرسي»، فغلبت عليها درجات اللون الأحمر والأسود وتصدرها كرسي تعلوه رمانة، بينما سجل الفنان عليها أسماء مدن سورية تعرّضت للتدمير ومعادلات رياضية تدور حول حصيلة القتلى فيها.

بينما وجّهت حملت لوحة «عظم الله أجرك يا وطن» عزاء في شهداء الإمارات باليمن عام 2015.

«انطباعات وتجريديات»

القسم الخامس من المعرض يطل بعنوان: «انطباعات وتجريديات»، ليرصد سلسلة أعمال عبدالقادر الريس الانطباعية المرتبطة بالعمارة التقليدية، وهو تحوّل شهدته مسيرته الفنية في الفترة بين أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي، إذ بدأ تصميم أشكال وأنماط هندسية مستوحاة من المعالم المعمارية القديمة، وفيها وظّف المربع الذي يشير إلى العمارة التقليدية كأداة لتعزيز الدور المتغيّر للضوء والظل. منها لوحة «لئن شكرتم لأزيدنكم» 2016، التي رسم فيها مسجد «العتيبات» الذي كان يعدّ من أقدم مساجد الخليج قبل هدمه، وفي مربع يظهر جامع الشيخ زايد الكبير.

بين حرفين

يحتفي القسم الأخير من المعرض بتجربة «حروفيات» الريس، التي أدخل فيها الخط العربي في أعماله التجريبية، في أوائل التسعينات، بالتركيز على حرفي الواو والهاء، إذ يعدّ الأول هو الحرف الوحيد في العربية الذي يشكل كلمة، ولمرونته التي تكسبه قيمة جمالية كبيرة.

بينما يشكل حرف الهاء عند وصله بالواو كلمة «هو» إشارة إلى الله عز وجل. وضم هذا القسم أكبر لوحة في المعرض، إذ يصل ارتفاعها خمسة أمتار ونصف المتر، وهي من مقتنيات وزارة الثقافة وتنمية المعرفة.

كما ضم مجموعة «الواو» التي رسمها الفنان في عام 2007، ومجموعة «السكنية»، وتميزت أعمال الخط العربي للريس باعتمادها على ثلاثة ألوان هي الأزرق وهو يرتبط بالملاذ مثل السماء والبحر، والأصفر الذي يشير للضوء، إضافة إلى الأحمر.


«منبع الحب».. زايد

بمناسبة «عام زايد» رسم عبدالقادر الريس، لوحة «منبع الحب»، التي عبّر فيها عن مكانة الوالد المؤسِّس المغفور له الشيخ زايد، موظفاً فيها قبة جامع الشيخ زايد وخلفها يظهر القمر مكتملاً، بينما سجّل على حروف اللوحة بعض أقوال الشيخ زايد في اللوحة التي يضمها قسم «انطباعات وتجريديات».

«شكراً محمد بن راشد»

ضمّ قسم «انطباعات وتجريديات» لوحة برزت فيها عبارة: «شكراً محمد بن راشد»، التي شكلت «هاشتاغ» لتهنئة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بمناسبة مرور 10 سنوات من حكمه وحكومته، وشهد تفاعلاً كبيراً.


70

لوحة تختصر مسيرة الريس، يضمها المعرض الاستعادي.

طباعة