الأداء ممتاز والفنيات عالية

«هز هاوس».. مبهر رغم البقاء في نطاق الرعب التقليدي

صورة

في موسم أفلام الرعب، الذي يأتي في أكتوبر ويستمر لشهر أو أكثر، تتنافس خدمات البث عبر الإنترنت، في مقدمتها «نتفليكس» في تقديم إنتاجات أصلية لا تُعد ولا تُحصى، بينما يبقى الرديء في صالات السينما في انقلاب للمعادلة لم يتخيله أحد قبل زمن «كوفيد-19».

في His House (بيته) من إنتاجات «نتفليكس» الأصلية، نرى بول (سوب ديريسو) وزوجته ريال (وونمي موساكو) أنهما لاجئان من جنوب السودان غامرا في رحلة خطرة عبر البحر الأبيض المتوسط للوصول إلى إنجلترا، وفقدا ابنتهما التي غرقت في البحر. نرى ملامح من العنف الذي تركه بول خلفه في الوطن، وكذلك ملامح من الرحلة التي قطعها الزوجان تجاه الأمان الظاهري في أوروبا. لكن الحياة تتغير بسرعة بمجرد وصولهما منهكين تعتريهما آمال مختلطة بشكوك في البلد الجديد غير المرحب بهما، أو الذي يستقبلهما على مضض من الضابط الجاف الذي يقابلهما عند منفذ الدخول إلى سكان الحي الذين يعاملونهما بعنصرية لكن دون اعتداء جسدي.

هذه قصة زواج تسكنه جراح الماضي، ونرى ذلك جلياً في مشهد الافتتاح: «يستيقظ بول من كابوس ليجد زوجته تهز رأسه وتسأله: ماذا كنت تحلم؟ يكذب عليها بول نوع الكذب الذي يستخدمه الأزواج كي لا يعمقوا جراح بعضهما بعضاً». يقول لها إنه «حلم بيوم زواجهما». فتقول له: «وهل يفسر ذلك صراخك؟».

بعد احتجازهما لفترة بسيطة بغرض تسجيلهما في نظام اللجوء السياسي البريطاني، يرسل الزوجان إلى مكتب متابعة شؤون اللاجئين، حيث يستقبلهما مارك (مات سميث) موظف الخدمة الاجتماعية ويأخذهما إلى البيت شبه المتهالك المخصص لهما، الذي يقول عنه الموظف أنه أكبر من بيته الشخصي.

يلمح لهما مارك أن بيتاً كهذا بحاجة إلى صيانة وإصلاح مدة لا تقل عن شهرين ومليء بالحشرات الزاحفة هو ما تخصصه الحكومة لأشخاص مثلهما. ويكرر عليهما أنه مطلوب منه تزويد الحكومة بتقارير متابعة عنهما، وبعد قائمة طويلة من الممنوعات عن ما لا يجب أن يفعلاه في البيت، يطلب منهما أن يحسنا التصرف حتى تكون التقارير إيجابية ولا تضطر الحكومة إلى رفض طلب لجوئهما.

يخبر بول زوجته مراراً أنهما لن يعودا إلى الوطن. رغبته في الاندماج تترجم على شكل زيارة لمتجر ملابس وشرائه أزياء محلية. نرى موظف أمن يلاحق بول داخل المحل ما يُذكّر بملاحظة ريال لزوجها أن الاندماج الكامل لن يكون ممكناً. استشفت ريال ذلك من موقف حدث لها مع مراهقين بريطانيين من السود عندما صرخوا فيها: «عودي إلى إفريقيا» بعد أن طلبت منهم المساعدة.

نلاحظ أن المراهقين العنصريين هم أيضاً من السود، وقد يكون ذلك لتخفيف النبرة العنصرية في الفيلم.

رغم محاولتها دعم زوجها، فإن ريال هي التي تحتاج إلى الدعم. شعور ريال معقد جداً فهي عانت في بلادها اضطهادات تبدو آثارها على جسدها جرّاء الحرب في وطنها. في الوقت نفسه يبدأ سلوك بول في التغيّر عندما يرى الظواهر الغريبة تزوره في بيته كل ليلة. لا يضيع الفيلم وقتاً حتى يبرز عناصر الرعب التي تظهر ليلاً. ولا يتجنب التفاصيل، لأنه لا يشكك في القدرات العقلية لشخصيتيه اللتين تعرفان الشر الذي يواجهانه ويسميانه (ساحر البحر) الذي يعيش معهما.

يخالف المخرج ريكي ويكس توقعات الجمهور لمسار القصة في المشهد الذي يزور فيه مارك منزل الزوجين، للتحقق من شكاوى بول، الذي زار مارك في مكتبه وكان في حالة نفسية غير طبيعية.

يرى مارك المنزل مدمراً من الداخل بسبب تصرفات بول الذي حطم جداراً فيه للقضاء على ما يعتقد أنه بداخله، فيطلب الأول تفسيراً. العادة ما يحدث في أفلام الرعب أن الشخصيات تخفي ما تراه عن الآخرين حتى لا تتعرض للسخرية. لكن ريال هنا تقول لمارك إن ساحراً يسكن معهما في البيت. يقدم ديريسو وموساكو أداءً ممتازاً عن زوجين يتعرضان لتحرشات قوى خفية ويعانيان ماضياً أكثر رعباً في وطنهما الأصلي. ولأنهما تعرضا معاً لتلك الظروف، فبإمكانهما التحدث عنها دون تشكيك أحدهما في الآخر.

تجربة بول مخيفة أكثر من زوجته، فهي أوضح بصرياً وأغزر في التفاصيل وأكثر تنوعاً. بينما الساحر يتحدث مباشرة مع ريال. يرى الاثنان ابنتهما الميتة، لكن ريال تتواصل معها عن طريق الساحر. يوظف ويكس مؤثرات خاصة جيدة جداً وفاعلة بالنسبة لمخرج في فيلمه الأول، والتركيز على توقيت ظهور المؤثرات نسبة إلى إيقاع الفيلم ممتاز. كما تواكب المؤثرات الصوتية نظيرتها المرئية بشكل جيد، وإلا ما قيمة بيت بلا أصوات في فيلم رعب.

يستعير الفيلم من أفلام أخرى ويضيف أفكاره عليها، لكنه يبقى في النطاق التقليدي لصنف الرعب دون أي محاولة لكسر النمط. يوجد استخدام ممتاز للإضاءة واستغلال جيد للظلال، لكن لا يوظف الفيلم الغموض المطلوب للرعب، إذ تقول النظرية كلما عرفنا ماهية عنصر الخوف كلما أصبحنا متآلفين معه.

أضعف جزئية المشهد الأخير وهو المواجهة النهائية بين الزوجين والساحر، الذي يشبه ملك الليل في مسلسل الخيال «لعبة العروش»، إذ لم يوفق ويكس فيها أبداً، وأخذ يستعير بشكل واضح من مسلسلات مثل The Walking Dead ومخلوقات أفلام غويليرمو ديل تورو. بكلمات أخرى، يقوّض المشهد الأخير ويبسّط ما جاء قبله. من المثير جداً للاهتمام توظيف الأساطير الشعبية لصنع أفلام رعب، وهنا نرى أسطورة إفريقية من جنوب السودان في جوهر القصة، حيث يعزز ذلك تنوّع الصنف ويساعد في تحديثه بضخ أفكار جديدة، والمثير للاهتمام أكثر ابتعاد المخرج عن توظيف الجانب الديني، أو استخدام كتب مقدسة لمواجهة عنصر الشر، وبدل ذلك اكتفى بسلاح الإرادة البشرية لحسم الصراع.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


يوظف ويكس مؤثرات خاصة جيدة جداً وفاعلة بالنسبة لمخرج في فيلمه الأول.

تتنافس خدمات البث عبر الإنترنت، في مقدمتها «نتفليكس» في تقديم إنتاجات أصلية لا تُعد ولا تُحصى، بينما يبقى الرديء في صالات السينما في انقلاب للمعادلة لم يتخيله أحد قبل زمن «كوفيد-19».

طباعة