من غزة وأوكرانيا إلى الهجرة ونفوذ مليارديرات التكنولوجيا وحرية التعبير

«فينيسيا 2026».. هموم العالم السياسية تخطف الأضواء من السينما

صورة

لم تعد السجادة الحمراء في مهرجان البندقية السينمائي الدولي هذا العام، مساحة للاحتفاء بالنجوم والأفلام الجديدة فحسب، فالدورة الـ83 تبدو كأنها تعكس العالم خارج قاعات العرض بقدر ما تعرضه على الشاشة، فمن غزة وأوكرانيا إلى الهجرة والسياسات الأميركية، ومن نفوذ مليارديرات التكنولوجيا إلى حرية التعبير، فرضت السياسة نفسها على الأفلام والمؤتمرات الصحافية والنقاشات التي رافقت المهرجان.

وفي وقت يتنافس 21 فيلماً على «الأسد الذهبي»، تبدو فينيسيا 2026 أقرب إلى منتدى سينمائي يناقش اضطرابات العالم، منها إلى مهرجان يكتفي بالاحتفاء بالفن، ولم يكن ذلك خياراً معلناً من إدارة المهرجان، بقدر ما كان انعكاساً لنوعية الأفلام التي وصلت إلى المسابقة والبرامج المختلفة، وفق ما أوضح مدير المهرجان، ألبرتو باربيرا، الذي دافع عن الاختيارات، مؤكداً أن وفرة الأعمال ذات المضامين السياسية لا تعني توجيهاً أيديولوجياً من إدارة المهرجان.

غزة على السجادة الحمراء

كانت القضية الفلسطينية من أبرز الملفات التي حضرت في فينيسيا منذ الأيام الأولى للدورة، فقد وقّع أكثر من 200 شخصية من الفنانين والعاملين في المجال الثقافي رسالة تطالب المهرجان باتخاذ موقف أكثر وضوحاً تجاه الحرب في غزة، بينما حضرت القضية الفلسطينية أيضاً من خلال مجموعة من الأفلام التي تتناول الحرب، ومعاناة المدنيين، ومن بين أكثر الأعمال إثارة للنقاش فيلم «NAZA»، الذي يتناول مقتل مدنيين فلسطينيين، ويطرح أسئلة مباشرة حول العنف، وآليات توثيقه ومسؤولية المؤسسات السياسية والإعلامية تجاه ما يحدث، وأعاد الفيلم إشعال الجدل حول الدور الذي يمكن أن تؤديه المهرجانات السينمائية في التعامل مع القضايا الإنسانية والسياسية.

لكن السياسة لم تبقَ داخل الشاشة، فالممثلة الأميركية، سوزان ساراندون، كشفت في فينيسيا أنها لاتزال تخسر أدواراً سينمائية بسبب مواقفها المؤيدة للفلسطينيين، وقالت إن جهات في صناعة السينما تنصح بعدم الاستعانة بها، وترى ساراندون أن مواقفها السياسية أثرت في مسيرتها داخل هوليوود، رغم استمرارها في العمل خارج منظومة الاستوديوهات الكبرى، وربما كان التصريح الأكثر وضوحاً في هذا النقاش من رئيسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، الممثلة والمخرجة، ماغي جيلنهال، التي قالت إن السينما «سياسية بشكل أساسي ولا مفر منه».

وبالنسبة إلى جيلنهال، فإن محاولة فصل الأفلام عن السياسة تتجاهل طبيعة الفن نفسه، فاختيار الشخصيات والقصص والأماكن والقضايا التي تستحق أن تُروى يُمثّل، في حد ذاته، موقفاً تجاه العالم، كما ربطت بين السياسة والقدرة على خلق التعاطف، معتبرة أن السينما تتيح للجمهور رؤية تجارب الآخرين وفهمها من الداخل، لكن تصريحات جيلنهال لم تتوقف عند علاقة السينما بالسياسة، بل انتقلت إلى السياسة داخل صناعة السينما نفسها.

أين النساء؟

وجدت جيلنهال نفسها أمام سؤال آخر لا يقل حساسية: لماذا لاتزال المخرجات غائبات بهذا الشكل عن المسابقة الرئيسة؟

ومن بين 21 فيلماً في المسابقة الرسمية، هناك فيلمان فقط من إخراج أو إخراج مشترك لنساء، وهو رقم أعاد إلى الواجهة النقاش حول المساواة في صناعة السينما، ووصفت جيلنهال الأمر بأنه مشكلة «منهجية»، مشيرة إلى أن القصص التي ترغب النساء في روايتها لا تحظى دائماً بالتقدير نفسه الذي تحصل عليه الأعمال التي يقدمها الرجال، ما ينعكس في النهاية على فرص التمويل والإنتاج والوصول إلى المهرجانات الكبرى.

من مردوخ إلى ماسك

السياسة في فينيسيا لا تظهر فقط في الأفلام التي تتناول الحروب والصراعات، إذ إن بعض الأعمال اختارت الاقتراب من الشخصيات التي أصبحت تمتلك نفوذاً يتجاوز عالم الأعمال إلى الإعلام والسياسة والمجتمع، في فيلم «Ink» للمخرج، داني بويل، الذي افتتح المهرجان، يعود إلى بدايات صعود روبرت مردوخ في بريطانيا، ويركز على التحولات التي شهدتها صحيفة «The Sun» بعد استحواذ مردوخ عليها، وعلى العلاقة المعقدة بين الصحافة التجارية والتأثير السياسي والرأي العام.

أما المخرج أليكس غيبني، فيضع إيلون ماسك تحت المجهر في فيلم وثائقي يمتد نحو أربع ساعات، ولا يتعامل العمل مع ماسك بوصفه مجرد رجل أعمال ناجح، بل يبحث في حجم النفوذ الذي اكتسبه، وتأثيره في التكنولوجيا والإعلام والسياسة، بما في ذلك علاقته بالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ودوره في المجال السياسي، وهنا تبرز صورة جديدة للسينما، إذ لم يعد السياسي التقليدي وحده موضوعاً للأفلام السياسية، بل أصبح الملياردير ورجل التكنولوجيا ومالك المنصة الرقمية شخصية سياسية بحد ذاته.

ومن أكثر الأمثلة مباشرة على تداخل السينما مع السياسة فيلم «They’re Here» للمخرجة، لورا بويتراس، والمخرجة المشاركة، راشيل لورين مولر، الذي يتابع مداهمات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية (ICE)، وتأثير حملات الترحيل في المهاجرين والمجتمعات المحلية.

الفيلم، الذي يمتد نحو 25 دقيقة، ويُوثّق احتجاجات ومقاومة مجتمعية في مدينة مينيابوليس، ويضع الكاميرا في مواجهة واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية في الولايات المتحدة، وهي حدود سلطة الدولة في التعامل مع المهاجرين، وقالت بويتراس إن هدف الفيلم هو كشف العنف، ومنع تطبيع مشاهد باتت تتكرر في الحياة اليومية.

وبذلك، لا تكتفي أفلام فينيسيا السياسية بتسجيل الأحداث الكبرى بعد وقوعها، بل تحاول الاقتراب من الأشخاص الذين يعيشون نتائج القرارات السياسية على الأرض.


خارج الشاشة أيضاً

المخرج الياباني هيروكازو كوري ونجوم فيلم »Look Back« . إي.بي.إيه

لم يكن لافتاً أن تتجه الأسئلة في المؤتمرات الصحافية نحو السياسة، خصوصاً أن عدداً من نجوم المهرجان وصنّاعه اختاروا استخدام المنصة السينمائية للتعبير عن مواقفهم، وتحدث جورج كلوني عن حرية التعبير، ودور الفن في مواجهة الانقسام، بينما أثارت تصريحات أخرى نقاشات حول إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وحرية الصحافة، ومستقبل صناعة السينما في ظل التحولات السياسية والاقتصادية التي تشهدها الولايات المتحدة، كما ظهرت قضية اندماجات الشركات الكبرى في هوليوود، بوصفها جزءاً من النقاش حول مستقبل الصناعة ومن يملك القدرة على التحكم في المحتوى وتوزيعه.

أسئلة يصعب طرحها

قد يبدو حضور السياسة طاغياً، لكن المفارقة أن هذا الحضور لا يعني بالضرورة ابتعاد السينما عن دورها الأساسي، بل على العكس، يمكن النظر إلى ما يحدث في فينيسيا باعتباره محاولة لاستعادة وظيفة قديمة للفن، وهي طرح الأسئلة التي يصعب طرحها، فالمهرجان يستضيف في الوقت نفسه أفلاماً لا علاقة مباشرة لها بالسياسة، مثل «Look Back» للمخرج الياباني، هيروكازو كوري-إيدا، الذي يروي قصة صداقة بين فتاتين، تتطور عبر السنوات، في عمل يركز على الفن والطموح والخسارة والنضج، لكن حتى هذه الأعمال تأتي في مهرجان أصبح النقاش فيه أكبر من الأفلام نفسها.

تويتر