أفلام الدورة 51 تختبر حظها أمام الجمهور قبل الجوائز والتكريمات
300حكاية سينمائية في «تورونتو 2026».. معركة مبكرة على أضواء الأوسكار
لم تكن الدورة الـ51 من مهرجان تورونتو السينمائي الدولي مجرد محطة جديدة في موسم المهرجانات السينمائية، أو كما هو معروف معركة مبكرة على أضواء جوائز الأوسكار فحسب، بل جاءت في لحظة تعيد فيها الصناعة تعريف علاقتها بالجمهور، وبالمنصات، قبل الجوائز والتكريمات. استقبل المهرجان قرابة 300 فيلم من عشرات الدول، في دورة راهنت بوضوح على السينما المستقلة والأصوات العالمية الجديدة دون التخلي عن حضور النجوم والأفلام الكبيرة التي تجعل من المهرجان أحد أبرز مواعيد الخريف السينمائي في أميركا الشمالية.
جاء هذا التحول في دورة بدت أكثر اهتماماً بجذب جمهور شاب ومتعدد الثقافات، في ظل تراجع الاعتماد على أفلام الاستوديوهات الضخمة لمصلحة الأعمال المستقلة والأفلام الدولية. وتقول إدارة المهرجان إن المشاهدين الأصغر سناً باتوا يبحثون عن حكايات متنوعة تتجاوز السينما الهوليوودية التقليدية، وهو ما يفسر حضور الأفلام المستقلة والوثائقية والأعمال القادمة من أسواق سينمائية مختلفة بقوة في البرنامج. وفي الوقت نفسه، تحتفظ تورونتو بميزة يصعب على مهرجانات الخريف الأخرى منافستها: جمهورها الكبير الذي يجعل العرض الأول اختباراً حقيقياً لقدرة الفيلم على التواصل مع المشاهد، وليس مجرد مناسبة للنقاد والصناعة.
حقوق ذوي الإعاقة
انطلقت الدورة الجديدة من المهرجان 22 سبتمبر الماضي بفيلم «كوني هيومان-Being Heumann» للمخرجة سيان هيدر في عرض عالمي أول، وهو عمل يستعيد سيرة الناشطة جودي هيومان، إحدى أبرز الشخصيات في تاريخ حركة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. ويمنح اختيار الفيلم لافتتاح المهرجان إشارة واضحة إلى أحد محاور الدورة: قصص حقيقية، وشخصيات غيرت الواقع، وسينما تبحث عن أثر اجتماعي يتجاوز قاعة العرض.
وفي الاتجاه نفسه جاء فيلم «بريما فاسي-Prima Facie» للمخرجة البريطانية سوزانا وايت، وبطولة سينثيا إريفو، وهو اقتباس سينمائي للنص المسرحي الحائز جوائز للكاتبة الأسترالية سوزي ميلر. ويطرح الفيلم أسئلة حول الموافقة والعنف والعدالة وكيفية تعامل النظام القانوني مع الناجين، وفيلم «الصورة الأخيرة» وهو يتناول قصة عميل سابق في إدارة مكافحة المخدرات الأميركية، يعود إلى حياة العنف بعد مقتل شقيقه وزوجة شقيقه واختطاف طفليهما.
أما الفيلم الكوري «القتلة-The Assassin» للمخرج هور جين-هو، وبطولة لي مين-هو، فيمثل وجهاً آخر من الانفتاح الدولي الذي تراهن عليه الدورة. وكان الفيلم واحداً من ثلاثة عروض عالمية أولى اختارها المهرجان منذ الإعلان المبكر عن برنامجه الرئيس إلى جانب «كوني هيومان» و«بريما فاسي»، وهو ما يؤكد أن الحضور الآسيوي ليس مجرد إضافة جغرافية إلى البرنامج، وإنما جزء من المشهد الرئيس للمهرجان.
وتتسع الصورة في برنامج «العروض الخاصة-Special Presentations»، الذي جمع عدداً كبيراً من الأفلام التي يمكن أن تدخل بقوة في نقاشات موسم الجوائز، ومن أبرزها «إلسينور-Elsinore» للمخرج سايمون ستون، بطولة أندرو سكوت، وهو عمل يستعيد الفترة الأخيرة من حياة الممثل البريطاني إيان تشارلسون، نجم «عربات النار»، ويربط بين المسرح والمرض والذاكرة والفن، كما ضم البرنامج «إنك -Ink» للمخرج داني بويل، و«رعاية محبة-Tender Loving Care» لمايك لي، و«شتاء طويل -A Long Winter» لأندرو هاي، إلى جانب «نائب شرطة سيئ: طوكيو-Bad Lieutenant: Tokyo» للمخرج الياباني تاكاشي ميكي.
ومن الأفلام التي فرضت نفسها على النقاش الجماهيري في الأيام الأولى «الظهور الأول-The Debut» للمخرج جيسي أيزنبرغ، وهو عمل كوميدي موسيقي من بطولة جوليان مور وبول جياماتي، وقد حظي باستقبال قوي في المهرجان وبدأ اسمه يتردد ضمن الأعمال المرشحة للدخول في موسم الجوائز. وفي الاتجاه نفسه جاء «أنا ألعب روكي-I Play Rocky» للمخرج بيتر فاريلي، الذي يتناول رحلة سيلفستر ستالون في صناعة فيلم «روكي»، وحصل على استقبال حماسي وتصفيق حار بعد عرضه. وتكشف هذه الأفلام عن رهان تورونتو التقليدي على القصص التي تجمع بين النجومية والحكاية الشعبية والقدرة على مخاطبة جمهور واسع.
الفيلم الوثائقي احتل موقعاً متقدماً في دورة هذا العام مع أفلام تتناول قضايا سياسية واجتماعية وشخصيات عامة وثقافة الموسيقى. ومن العناوين اللافتة «ليزا دائماً- Always Lalisa» عن نجمة فرقة «بلاكبينك» ليزا، إلى جانب أعمال موسيقية وسِيَر شخصية، وفيلم عن إيلون ماسك للمخرج أليكس غيبني، فضلاً عن وثائقيات تتناول أزمات الهجرة وقضايا اجتماعية معاصرة. وهذا الحضور يكشف تحول الوثائقي من مساحة متخصصة إلى عنصر أساسي في المنافسة على الجمهور والمنصات والجوائز.
اختيار الجمهور
تكتسب المنافسة في تورونتو خصوصيتها من كونها لا تقوم على مسابقة رئيسة واحدة على غرار كان أو البندقية، بل تتوزع بين برامج مختلفة، فيما تبقى جائزة اختيار الجمهور واحدة من أهم مؤشرات الدورة، فالفيلم الذي ينجح في جذب الجمهور الكندي والدولي يمكن أن يخرج من تورونتو بزخم تجاري ونقدي يغير مساره بالكامل خلال موسم الجوائز، ولهذا تراقب هوليوود نتيجة الجائزة باهتمام، خصوصاً أن تورونتو أثبتت في سنوات سابقة قدرتها على إطلاق أفلام نحو سباقات الأوسكار. وتأتي هذه الدورة في وقت تتنافس فيه تورونتو مع البندقية وتيلورايد ونيويورك لاستقطاب الأفلام الكبيرة وصناعة «الضجة» الأولى حول الأعمال المرشحة للجوائز.
الرهان الأكبر في دورة 2026 ربما يحدث خارج شاشات العرض، فإطلاق «سوق تورونتو» للمرة الأولى يمثل محاولة لتحويل المهرجان إلى مركز أعمال متكامل للصناعة، يجمع المنتجين والموزعين والممولين والمشترين إلى جانب صناع الأفلام، وبعد عقود أصبح فيها تورونتو محطة أساسية لاختبار الأفلام أمام الجمهور، يريد المهرجان الآن أن يكون أيضاً المكان الذي تبدأ فيه بعض الأفلام رحلتها التجارية، وهذا التحول يأتي في وقت تعيد فيه المنصات الرقمية والاستوديوهات المستقلة تشكيل اقتصاد السينما، وتبحث الشركات عن أسواق جديدة وشراكات عابرة للحدود.
المخرجون الجدد
أهمية «تورونتو 2026» لا تختصر في السؤال عن الفيلم الذي سيحصل على جائزة الجمهور، بل في الصورة التي ترسمها الدورة لمستقبل الصناعة نفسها. إنها دورة تفتح الباب أمام المخرجين الجدد، وتمنح الفيلم الوثائقي مساحة أكبر، وتستعيد القصص الإنسانية والسياسية، وتراهن على السينما الدولية، وفي الوقت نفسه تحافظ على السجادة الحمراء والنجوم والأفلام القادرة على صناعة الحدث.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news