خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي أربك حياتهم

الرعايا الأوروبيون في بريطانيا مطالبــــون بـ «تسوية أوضاعهم» أو الرحيل

صورة

في أوائل مايو، جلست دوريس راتنام على طاولة مطبخها، في محاولة لنسخ جواز سفرها الألماني باستخدام هاتفها المحمول. كانت تتقدم بطلب للحصول على «تسوية وضع» في المملكة المتحدة، وهو الإجراء الجديد الذي يحتاج إليه 3.4 ملايين، أو نحو ذلك، من مواطني الاتحاد الأوروبي الذين يعيشون في بريطانيا، إذا كانوا يريدون البقاء في البلاد بشكل قانوني بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست». انتاب راتنام، البالغة من العمر 72 عاماً، والتي عاشت في لندن منذ التحاقها بزوجها عام 1968، شعوراً بالضيق من أنه يتعين عليها تقديم طلب للبقاء في بلد تعتبره موطنها.

قبل نهاية يونيو 2021، إذا غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي بصفقة، أو بحلول 31 ديسمبر 2020 دون أي صفقة، يجب على جميع مواطني الاتحاد المقيمين في المملكة المتحدة التقدم بطلب لتسوية أوضاعهم، إذا كانوا يرغبون في مواصلة العيش والعمل هناك. تم تصميم تسوية الوضع للوفاء بوعد الحكومة بأن جميع مواطني الاتحاد الأوروبي وأفراد أسرهم، سيحق لهم البقاء دون أي مساس بحقوقهم. أي شخص عاش في المملكة بشكل مستمر لمدة خمس سنوات ينبغي، من الناحية النظرية، أن يكون قادراً على تسوية وضعه بسهولة، وسيتم منح الأشخاص الذين عاشوا في بريطانيا لمدة تقل عن خمس سنوات وضع «التسوية المسبقة»، ما يتطلب منهم التقدم بطلب للحصول على وضع دائم بمجرد أن يقضوا سنوات كافية من الإقامة المستمرة، وهذا يعني عدم مغادرة البلاد لأكثر من ستة أشهر في العام.

عامل حاسم

بالنسبة للأوروبيين في المملكة المتحدة، يعد تطبيق «التحقق من الهوية» التابع لوزارة الداخلية، البوابة التي تفصل بين البقاء أو المغادرة. سيكون مدى نجاح هذا الجزء من البرامج عاملاً حاسماً في محاولات الحكومة تقديم الخروج من الاتحاد على أنه نجاح. في العام الماضي، كافح ما يقرب من 1.5 مليون أوروبي يعيشون في المملكة المتحدة مع عملية تقديم الطلبات لوزارة الداخلية، وتمكّنوا من تسوية أوضاعهم. خصصت الحكومة 460 مليون جنيه إسترليني للعملية، وأُنفق 50 مليون جنيه إسترليني منها على تطوير هذا التطبيق. وعند إطلاق البرنامج، في مارس، طمأنت حملة إعلانية إذاعية في وزارة الداخلية الناس قائلة: «إنه مجاني، وكل ما تحتاج إليه هو جواز سفرك أو بطاقة هويتك وإكمال الاستمارة عبر الإنترنت».

كانت وزيرة الداخلية السابقة، أمبر رود، متفائلة بأن التطبيق الرقمي سيكون سهل الاستخدام مثل التعامل مع حساب عادي على الإنترنت. وتشير أرقام وزارة الداخلية إلى أن 75% من المتقدمين يكملون عملية التحقق من الهوية «في أقل من ثماني دقائق». في شهر مايو، كانت مكاتب وزارة الداخلية في ليفربول، حيث كان هناك 1500 موظف، تتعامل مع نحو 6000 طلب «تسوية وضع» يومياً. وقال أحد كبار موظفي الخدمة المدنية المكلفين بالخطة، إنه سيكون من الجيد أن نرى تغطية إعلامية تؤكد كيفية سير الأمور.

عواقب وخيمة

لكن ما على المحك هنا هائل للغاية، وإمكانية حدوث خطأ أمر وارد جداً، بحيث يصعب التأكد مما إذا كان يجب أن يشعر الناس بالثقة أو القلق. حتى إذا حققت عملية تقديم الطلبات نسبة نجاح غير متوقعة بنسبة 95%، فقد تظل لها عواقب وخيمة على أولئك الذين لم يقدموا طلباتهم (نحو 150 ألفاً).

بعد الموعد النهائي، سيتم تحويل أولئك الذين لم يتقدموا بالطلبات من مقيمين شرعيين إلى مهاجرين غير شرعيين. في بيئة معادية، لن يكونوا قادرين على العمل، أو استئجار مكان للعيش فيه، أو الحصول على رعاية صحية مجانية، أو قيادة السيارة، أو فتح حساب بنكي، أو الحصول على عقد هاتف محمول، أو السفر من دون أن يطلب منهم إثبات وضعهم، سيكتشفون تدريجيا أن الحياة الطبيعية أصبحت مستحيلة.

لم تحاول وزارة الداخلية ممارسة «تمرين رقمي» بهذا الحجم، فقد كانت هناك تحديات غير متوقعة. بحلول نهاية يناير، قبل شهرين من الموعد المقرر لإطلاقه على المستوى الوطني، نجح متخصصو تكنولوجيا المعلومات العاملون في وزارة الداخلية في تصميم تطبيق يفرض رسوماً على المتقدمين تقدر بـ65 جنيهاً إسترلينياً. قبل أيام من طرح التطبيق للاختبار العام، قيل لهم إن مسألة الرسوم كانت حساسة للغاية من الناحية السياسية ويتعين إلغاؤها. لذلك، وكحل مؤقت في اللحظة الأخيرة، تم فرض رسوم على المتقدمين الأوائل على أي حال، وكان عليهم استرداد أموالهم لاحقاً. قرار إلغاء الرسوم يعني أيضاً أن الحكومة خسرت على الفور نحو 190 مليون جنيه إسترليني من العائد الذي كان من المفترض أن يحققه المخطط.

متطلبات أساسية

وقال مدير البرنامج، جو أوين: «لقد كانوا يحاولون تقديم أكبر نظام جديد والأكثر إثارة للجدل، بينما كانت المتطلبات الأساسية تتغير، حتى قبل أيام من بدء التشغيل»، بالنسبة للحكومة يعمل مركز أبحاث على جعل الحكومة أكثر فاعلية، ويتتبع أوين تطوير الخطة الرقمية منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي.

مشكلة واحدة رئيسة، هي أن التطبيق لا يعمل حتى الآن على «آي فون»، في وقت تكافح وزارة الداخلية مع رفض شركة «أبل» السماح لمطوري الطرف الثالث باستخدام نظام الاتصال الخاص بها، منذ بدء تطوير التطبيق. نظراً إلى أن «آي فون» تمثل ما يقرب من نصف الهواتف الذكية في المملكة المتحدة، فإن هذا يخلق مشكلة كبيرة للمتقدمين بطلبات تسوية الوضع. واضطر الكثير من الأشخاص إلى استعارة الهواتف، أو سلك طريق طويل لاستكمال طلباتهم. ويقول المسؤولون إن التطبيق يجب أن يكون متاحاً على أجهزة الكمبيوتر في وقت لاحق.

المضاعفات الأخرى أنه من غير المعروف عدد مواطني الاتحاد الأوروبي الموجودين في المملكة المتحدة. إن الرقم 3.4 ملايين الذي تعتمده الحكومة في جميع خططها، يعتقد كثيرون أنه أقل من الواقع.

وقالت مديرة مرصد الهجرة بجامعة أكسفورد، مادلين سومبشون: «لا أحد يعرف عدد المؤهلين»، مشيرة إلى أن تقديرات الحكومة «منخفضة جداً لأنها لا تشمل الأشخاص الذين يعيشون في عناوين غير خاصة، مثل الفنادق أو دور الرعاية».

موعد نهائي

لا تشمل تقديرات وزارة الداخلية البريطانية أفراد الأسرة من دول خارج الاتحاد الأوروبي، الذين هم مؤهلون، أيضاً، بموجب هذا المخطط، ويمكن أن يصل العدد الإجمالي للأشخاص الذين يحتاجون إلى التقديم، لأربعة ملايين.

في الوقت الحالي، لايزال الخطاب السياسي دافئاً، ويقول المسؤولون إن الأشخاص الذين لديهم سبب وجيه لتخطي الموعد النهائي سيتم السماح لهم بفترة «معقولة» أخرى للتقدم، لكن الأمور قد لا تكون مشجعة. وعلى الرغم من أن السياسيين لا يريدون في الوقت الحالي تسليط الضوء على هذا الأمر علناً، فقد أوضحت وزارة الداخلية أنه اعتباراً من يناير 2021 (في سيناريو دون صفقة)، فإن أي شخص ليس لديه وضع هجرة ساري المفعول في المملكة المتحدة «سيكون عرضة لإجراءات الاحتجاز والإبعاد باعتباره مخالفاً لقوانين الهجرة».

• 460 مليون جنيه إسترليني، خصصتها الحكومة البريطانية لعملية تلقي الطلبات.

• 3.4 ملايين من مواطني الاتحاد الأوروبي في بريطانيا يتعين عليهم تسوية أوضاعهم، إذا أردوا البقاء في البلاد بشكل قانوني بعد خروج بريطانيا من الاتحاد.


الإهانة الأخيرة

ليس من المستغرب أن العديد من الأوروبيين المقيمين في المملكة المتحدة يشعرون بالضعف والغضب، لقد شوهتهم حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، باعتبارهم المشكلة التي ترتب عليها خروج بريطانيا من الاتحاد. لقد واجهوا سنوات من عناوين الصحف العدائية. إنهم غاضبون من أن مخطط وزارة الداخلية قد تم تطويره كعملية تقديم طلب بدلاً من مخطط تسجيل. ويشيرون إلى أن هذا ليس الضمان التلقائي للحقوق التي تعهدت بها حملة «بريكست» والحكومة. إن إجبارهم على التقدم بطلب للحصول على حق الإقامة في منازلهم هو الإهانة الأخيرة. ويرى كثيرون أن التطبيق قد يخدم سياسية بغيضة، تهدف إلى تحديد مواقعهم وتعدادهم وتصنيفهم.

وفي الوقت نفسه، يراقب نحو 1.4 مليون بريطاني مقيم في جميع أنحاء أوروبا بفارغ الصبر المخطط، مدركين أن معاملتهم قد تعتمد إلى حد كبير على مدى سخاء حكومة المملكة المتحدة في التعامل مع مواطني الاتحاد الأوروبي.

في أبريل 2018، تبين أن الآلاف من الأشخاص الذين ولدوا في دول الكومنولث، وانتقلوا إلى المملكة المتحدة كأطفال في الستينات والسبعينات، عندما كانت هناك حرية حركة بين بريطانيا ومستعمراتها السابقة، أصبحوا ضحايا التغييرات في تشريعات الهجرة، في ما أصبح يعرف باسم فضيحة «ويندراش»، إذ وجد أولئك الذين لم يتقدموا بطلبات للحصول على جوازات سفر بريطانية، أنفسهم مصنفين على أنهم مخالفون لقوانين الهجرة. اعتُقل بعضهم وأبعدوا من المملكة المتحدة، وعادوا إلى بلدان لم يزوروها منذ نصف قرن. بينما فقد آخرون وظائفهم أو منازلهم أو حُرموا العلاج المجاني.

 

 أوروبيون في بريطانيا يشعرون بالضعف والغضب بعد «بريكست». أرشيفية


خوف مشروع

لقد أثارت تجارب ضحايا فضيحة «ويندراش» قلق مواطني الاتحاد الأوروبي، وسلطت الفضيحة الضوء على مدى ضعف وزارة الداخلية في التحديد الدقيق لمن يعيش بالمملكة المتحدة بشكل قانوني أو غير قانوني، وقد تبلورت سمعتها كمؤسسة تجمع بين اللؤم وعدم الكفاءة. ويضطر الكثير من أولئك الملزمين بالتقدم للحصول على تسوية الوضع، إلى إعطاء جميع بياناتهم الشخصية إلى وزارة الداخلية، الأمر الذي يجدونه مزعجاً.

بالنسبة إلى رُبع المتقدمين، فإن العملية أكثر تعقيداً من مجرد تقديم تفاصيل جواز السفر وملء استمارة عبر الإنترنت. قضت «هيئة معايير الإعلان»، أخيراً، بأنه يجب عدم بث إعلانات وزارة الداخلية المطمئنة، بعد أن أشارت الشكاوى إلى أنه في بعض الحالات كان على المتقدمين تقديم وثائق أكثر بكثير من مجرد جواز سفر أو بطاقة هوية.

منذ بداية العام، حذر حزب العمال من مشكلات تلوح في الأفق في عملية وزارة الداخلية، حتى إنه تحدث عن «ويندراش» جديدة. لكن هذه التحذيرات غالباً ما يتم تصنيفها باعتبارها جزءاً من «الخوف المشروع».

هناك بالفعل قلق في أوساط محامي الهجرة حول الميل المتفائل للإحصاءات. وتقول الوزارة إنها منحت نحو 1.5 مليون شخص «شكلاً من أشكال التسوية».

 

طباعة