باتت أداة في السياسة الخارجية

كأس العالم 2022 فرصة لا تفوّت للفوز بجائزة «القوة الناعمة»

صورة

بعد أربعة أسابيع، و64 مباراة، وأكثر من عقد من النقاشات، فازت الأرجنتين ببطولة كأس العالم لكرة القدم. واحتفل اللاعب الأرجنتيني ليونيل ميسي، ورفاقه في الفريق، بالنصر على فرنسا، وهي منافس آخر وصل إلى النهائي، الذي يمكن اعتباره معركة «القوة الناعمة» التي ينظر إليها كإحدى أدوات السياسة الخارجية، التي ترسم التصورات والمواقف العالمية باستخدام أشياء، مثل الموسيقى، والأزياء، والرياضة. وربما تكون كأس العالم هي أفضل منصات القوة الناعمة، حيث تستعرض 32 دولة براعتها أمام مليارات الأشخاص.

وخلال هذا الحدث، يمكن مراقبة ثلاثة أنماط من القوة الناعمة، وهي «الرائعة» التي تأتي من مستويات الأداء المرتفعة، وتولد مشاعر الإعجاب. والثانية «الجميلة» الملهمة للأمل وحس الجماعة. والثالثة «الحميدة» التي توجد نتيجة المواقف الإيجابية والإيثار. وباستخدام هذه الفئات توصلنا إلى تحديد المراتب التالية للفائزين «بكأس العالم بالقوة الناعمة».

الفائز الأول: فرنسا

عندما فازت فرنسا عام 2018 بكأس كرة القدم في روسيا، ارتفع تصنيف قوتها الناعمة العالمية. وعام 2022، عزز أداء فريق فرنسا لكرة القدم الصورة الوطنية وسمعتها. ويعتبر الفريق مثالاً للقوة الناعمة «الرائعة»، حيث يجمع بين الأسلوب والأناقة مع المنافسة الحادة، ويعرض صورة عالمية ومتنوعة وموحدة. وكان أحد لاعبي الفريق «الذي يعتبر الأفضل عالمياً في الوقت الحاضر» أساسياً في هذا التصنيف، وهو كيليان مبابي. ويعتبر النادي الذي ينتمي إليه هذا اللاعب، وهو «نادي باريس سان جيرمان»، جزءاً كبيراً من قصة القوة الناعمة في فرنسا، حيث يساعد على بناء صدقية هذه القوة من خلال الخليط المصنوع بحذر بين كرة القدم، والأزياء، والموسيقى.

وفي بداية العام الجاري، يقال إن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، تدخل كي يقنع مبابي بعدم الرحيل عن نادي «باريس سان جيرمان» إلى نادي ريال مدريد الإسباني، الأمر الذي يوضح مدى أهميته لدى فرنسا. ويدرك ماكرون تماماً مدى الحاجة إلى السحر والأناقة، والثقة في القضايا الدولية. وعندما سافر ماكرون إلى الدوحة بعد أن وصلت فرنسا إلى مرحلة نصف النهائي، التقى مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وقام مرات عدة بمواساة مبابي بعد خسارة المنتخب الفرنسي.

الفائز الثاني: كوريا الجنوبية

كوريا الجنوبية أسياد في القوة الناعمة «الملهمة»، حيث يواصل نجم هذه الدولة الصعود باستمرار، نتيجة سياسة الحكومة من ناحية، ونتيجة الحماس الوطني الذي يبديه القطاع الخاص أيضاً.

وجاءت المباراة الأولى لكوريا الجنوبية في البطولة، بعد ظهور نجمها المغني الشهير، يونغ كوك، في مراسم افتتاح البطولة. وهذا المغني يؤدي مع فرقة «بي تي اس» التي حققت شهرة كبيرة، وأصبحت واجهة لما أصبح يعرف «بالموجة الكورية» أو «كي ويف» التي وضعت الدولة في مركز الصدارة عالمياً في مجال السينما، والتلفزيون، والموسيقى. وجاء كوك جنباً إلى جنب مع شركة هيونداي لصناعة السيارات، التي وقعت اتفاقية مع «بي تي اس»، وهي راعٍ أساسي للفيفا.

وكانت كوريا الجنوبية محظوظة لأن أهم لاعبي فريقها، صن هوينغ، الذي يلعب في نادي توتنهام، تعافى من الإصابة، الأمر الذي جلب اعترافاً دولياً بفريق كوريا الجنوبية. ونتيجة أسلوب الفريق السريع في اللعب، والذي تقابله الجماهير الغفيرة بحماس شديد، تم استغلاله بصورة مثالية كطاقة وطنية، تحولت إلى ثقافة طاغية في القرن الحادي والعشرين.

الفائز الثالث: المغرب

بالنظر إلى أن تصنيف ما قبل البطولة وضعها خارج أفضل 20 فريقاً، وبسبب تاريخ أدائها المتواضع في البطولات الكبيرة، وعدم وجود أسماء شهيرة في فريقها، كانت التوقعات بشأن فريق المغرب منخفضة. ولكن فريق المغرب تحول في دورة كأس العالم في قطر، إلى نصر كبير للمغرب داخل الملعب وخارجه.

وأدت الطريقة المبهجة والمنفتحة التي لعب بها فريق المغرب، إلى تولد قوة ناعمة كبيرة للغاية، تماماً كما فعل بعض اللاعبين الأفراد. وكان منظر لاعب الوسط سفيان بوفال وهو يرقص في الملعب مع والدته بعد انتصار الفريق على البرتغال عملاً مقنعاً عن ترابط العائلة والجماعة، ولقي صدى رائعاً لدى الناس في جميع أنحاء العالم. واعتبر كثيرون أن «أسود الأطلس» هو فريقهم المفضل الثاني.

ولم يكن ذلك واضحاً مثلما كان في العالم العربي، اذ إن المغرب تقدم أكثر من أي فريق آخر من الشرق الأوسط أو شمال افريقيا. وساعد الدعم العام الذي قدمه لاعبو المغرب لفلسطين على توثيق ارتباط الفريق مع الجميع في شتى أنحاء المنطقة.

الفائز الرابع: اليابان

فازت اليابان بالكثير من المشجعين في دورة قطر لكأس العالم. وكما هي الحال في دورة كأس العالم عام 2018 جاءت أعداد غفيرة من المشجعين لفريق اليابان، ومرة أخرى، أخذوا على عاتقهم تنظيف المدرجات بعد نهاية المباراة، ما أضاف إلى موقعهم كأبطال قوة «حميدة»، وكذلك قام الفريق الياباني بتنظيف غرف تغيير الملابس بعد المباريات.

وفي الحقيقة فإن التنظيم والتنظيف له تاريخ في اليابان. وقبل وقت طويل من مجيء الكاتبة والمقدمة التلفزيونية، التي وضعت العديد من الكتب في التنظيم والترتيب، ماري كوندو، إلى المشهد، تعتبر إزالة الفوضى والتنظيف جزءاً من نسيج الثقافة الوطنية في اليابان. وعزز التنظيف في قطر هذا التقليد الشعبي وسخّره كقوة ناعمة محتملة. ولكن بطولة كأس العالم لم تكن تتركز على الإيثار فقط، اذ إن الفريق الياباني حقق انتصارات مذهلة ضد فريقين يعتبران من أقوى الفرق الأوروبية، هما ألمانيا وإسبانيا.

الفائز الخامس: السعودية

توجهت الصقور الخضراء إلى قطر كممثلين لدولة مهمة في منطقتها. وعلى الرغم من أن الفريق خرج من البطولة في مرحلة المجموعات، إلا أنه فاز بالعديد من القلوب والعقول في المسابقة الكروية.

وحققت المملكة الكثير من المحبين في الدورة، وكان تجمعهم قبل بداية المباريات قد سلط الأضواء على أنهم مثيرون للإعجاب. وتعزز هذا أكثر نتيجة انتشار تسجيل فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر عدداً من أنصار الفريق وهم يرقصون، بعد انتصار المملكة العربية السعودية على الأرجنتين التي فازت ببطولة هذه الدورة لكأس العالم. وأظهرت دورة قطر الكثير من المواطنين السعوديين في مواقف مختلفة وإيجابية، كما أظهرت مدى شغفهم بكرة القدم.

تنويه خاص: قطر

منذ اللحظة الأولى التي قدمت فيها قطر طلب استضافة دورة كأس العالم، كانت الدوحة تسعى إلى إظهار قوتها الناعمة. ويبدو أن غياب عنف مشجعي الهوليغنز الإنجليز، والمناطق التي كان يتنزه فيها المشجعون النابضة بالحياة، قد نجحت في تحقيق القوة الناعمة.

ولكن قطر قد تجد نفسها تواجه اختباراً يتمثل في كيف سيتم الحديث عن قطر الدولة، وعن الحدث الذي استضافته في السنوات المقبلة.

• ثلاثة أنماط من القوة الناعمة، وهي «الرائعة» التي تأتي من مستويات الأداء المرتفعة، وتولد مشاعر الإعجاب. والثانية «الجميلة» الملهمة للأمل وحس الجماعة. والثالثة «الحميدة» التي توجد نتيجة المواقف الإيجابية والإيثار.

• ربما تكون بطولة كأس العالم هي أفضل منصات القوة الناعمة، حيث تستعرض 32 دولة براعتها أمام مليارات الأشخاص.

• كانت التوقعات بشأن فريق المغرب منخفضة. ولكن فريق المغرب تحوّل في دورة كأس العالم في قطر، إلى نصر كبير للمغرب داخل الملعب وخارجه.

• أظهرت دورة قطر الكثير من المواطنين السعوديين في مواقف مختلفة وإيجابية، كما أظهرت مدى شغفهم بكرة القدم.

سايمون تشادويك ■ بروفسور في الرياضة والاقتصاد الجيوسياسي

بول ويدوب ■ باحث في أعمال الرياضة - من جامعة مانشستر

طباعة