قال إن جذور الصراع تاريخية

باحث روسي: حرب أوكرانيا ليست وليدة أحداث معاصرة

صورة

مرّ شهران تقريباً على بدء الحرب الروسية في أوكرانيا، دون أن تكون هناك نهاية واضحة تلوح في الأفق لتلك الحرب، رغم الخسائر الواضحة التي تضرب بآثارها دولاً عدة في جميع أنحاء العالم.

ويقول الباحث الروسي، مكسيم ترودوليوبوف، كبير مستشاري معهد كينان والمحرر بمجلة «ميدوسا»، في تقرير نشره معهد كينان التابع لمركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين، إنه يمكن النظر إلى حرب روسيا ضد أوكرانيا على أنها تتويج لعقود من تسميم المجتمع الروسي لنفسه بقصص عن التطويق الأجنبي وسوء المعاملة من قبل الغرب. ولأكثر من عقدين حتى الآن، روّج الساسة ووسائل الإعلام الرسمية لمخاوف التهديد الخارجي، واحتواء الغرب لروسيا، والمظالم الوطنية المتعلقة بالأراضي المعزولة والإخفاقات الاقتصادية.

استنهاض مفاهيم قديمة

ويضيف ترودوليوبوف أن المحافظين المتطرفين والشيوعيين في روسيا بدأوا في استنهاض مفاهيم قديمة، مثل «قلب الأرض» و«الدول المقيدة» و«المصير الجيوسياسي» في وقت مبكر من منتصف التسعينات.

ويرى أنه منذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان مزيج سام من الجغرافيا السياسية في أوائل القرن العشرين، والمشاعر التاريخية، هو أيديولوجية روسيا بشكل فاعل. واعتبر أن هذا المزيج الآن في ازدهار كامل مع رسالة فلاديمير بوتين حول أوكرانيا التي نشرت في الصيف الماضي، وفي خطابه الغاضب عن سبب الحرب الذي أعقبه غزو واسع النطاق لدولة مجاورة.

ترسيخ المظالم التاريخية

ويقول ترودوليوبوف إنه لا يمكن للجغرافيا السياسية إلا أن تجتذب هؤلاء القادة السياسيين الذين يرسخون لمختلف المظالم التاريخية كأساس لانتقامهم. هذا برنامج سياسي ليس فقط للرئيس الروسي، ولكن أيضاً للسياسيين ذوي المواقف المتشابهة، بمن في ذلك، وبدرجات متفاوتة، قادة كوبا، والصين والمجر، وإيران وصربيا، وتركيا وفنزويلا. جميعهم يشتكون باستمرار من الإهانات السابقة، وعدم الاعتراف الدولي، وعداء بعض القوى الخارجية، والحدود المرسومة بشكل خاطئ.

رواج

ويضيف أن ما هو أقل وضوحاً هو لماذا لاتزال إصدارات الجغرافيا السياسية تحتفظ بالرواج في العديد من الساحات الأكاديمية الدولية. أولئك الذين يحاولون فهم أو حتى تبرير حرب روسيا ضد أوكرانيا غالباً ما يتحدثون لغة «سياسة القوى العظمى». ولا يمل البروفيسور جون ميرشايمر، من جامعة شيكاغو، المفضل لدى السلطات الروسية، أبداً، من تكرار أن «الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين يتقاسمون معظم المسؤولية عن هذه الأزمة».

وعلى حد تعبير ميرشايمر، فإن توسع حلف شمال الأطلسي (ناتو) هو جوهر استراتيجية الغرب، ولكن الأمر يشمل توسيع الاتحاد الأوروبي أيضاً، و«يشمل تحويل أوكرانيا إلى ديمقراطية ليبرالية موالية للولايات المتحدة، ومن وجهة نظر روسية، يشكل هذا تهديداً وجودياً».

أحد الردود على هذا النوع من المنطق هو أن سلوك روسيا استباقي، وليس رد فعل. ويقول المؤرخ ستيفن كوتكين: «قبل وجود (الناتو)، في القرن التاسع عشر بدت روسيا هكذا. كان لديها (قائد) مستبد، وكان لديها قمع، وكانت لديها نزعة عسكرية. إنها ليست روسيا التي وصلت بالأمس أو في التسعينات، إنها ليست رداً على تصرفات الغرب. هناك عمليات داخلية في روسيا تمثل ما نحن عليه اليوم».

اللغة الجيوسياسية

وبالتالي فإن اللغة الجيوسياسية التي يستخدمها منظّرو السياسة الخارجية والعلماء والمحللون كآلية تفسيرية قد لا تستوعب الصورة الكاملة. كما أنها تسمح لمنظّري القوة العظمى الروسية بإخفاء أفكارهم بهالة من الاحترام. ولكن بالطبع، يحق للعلماء إجراء مناقشة حرة. كما أنهم لا يبدأون الحروب عادة، بل يشرحونها فقط، بعد وقوعها.

والمشكلة الرئيسة في هذا النوع من الخطاب ليست ضعفه التفسيري. وكما سيعترف الكثيرون في الولايات المتحدة، فإن «تحويل بلد ما إلى ديمقراطية ليبرالية موالية للولايات المتحدة» هو أسهل في القول من الفعل.

ويرى ترودوليوبوف أن الجغرافيا السياسية لبوتين معيبة على مستوى آخر أيضاً. ويضيف أن الرئيس الروسي مشهور بتأخره في الحضور للاجتماعات. وهذه المرة تأخر بنحو قرن. وقد قال العديد من المراقبين إن بوتين يركز على فكرة إخضاع أوكرانيا لأنه، كما لاحظ زبيجنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي سابقاً، في مقولته الشهيرة، «من دون أوكرانيا، تتوقف روسيا عن أن تكون إمبراطورية».

التفكير السحري

وفي القرن الحادي والعشرين، هذا هو التفكير السحري. إن فكرة بوتين عن امتلاك كتلة أرضية كبيرة مهمة للغاية في حد ذاتها، وتمنح بطريقة غامضة مالكها الهيمنة العالمية، أو على الأقل الإقليمية، قديمة للغاية. ويحاول بوتين إعادة إنتاج الجغرافيا السياسية في القرن العشرين في حداثة القرن الحادي والعشرين، حيث الاقتصاد والتمويل والتكنولوجيا أكثر أهمية من الجغرافيا وكتلة الأرض. وفي روسيا، نرى إخفاقات في إدارة اقتصادها المدني، ونظامها المالي، والفشل في إنشاء التكنولوجيا الخاصة بها.

ويحاول بوتين وأعضاء دائرته الداخلية الآن إعادة شن الحرب على النازية، من أجل الظهور كفائزين في الحرب الأخيرة.

ملاحقة الصراع

ويخلص ترودوليوبوف إلى أن الصراع العالمي من أجل الهيمنة في عالم اليوم تتم ملاحقته بالوسائل الاقتصادية والتكنولوجية والمالية، وهي أنواع الأشياء التي لا تتطلب رجالاً في دبابات لعبور الحدود الدولية. ويضيف: «من خلال نقل الدبابات إلى أوكرانيا، لم يقم بوتين بتحدي أوكرانيا فحسب، بل كل حداثتنا. إنه لم يكن على ما يرام في العالم الحديث، لذلك يريد أن تتوقف الساعة».

• يمكن النظر إلى حرب روسيا ضد أوكرانيا على أنها تتويج لعقود من تسميم المجتمع الروسي لنفسه بقصص عن التطويق الأجنبي، وسوء المعاملة من قبل الغرب.

• المحافظون والشيوعيون في روسيا بدأوا في استنهاض مفاهيم قديمة، مثل «قلب الأرض» و«الدول المقيدة» و«المصير الجيوسياسي»، في وقت مبكر من منتصف التسعينات.

• قبل وجود «الناتو»، في القرن التاسع عشر بدت روسيا هكذا. كان لديها (قائد) مستبد، وكان لديها قمع، وكانت لديها نزعة عسكرية. إنها ليست روسيا التي وصلت بالأمس أو في التسعينات، إنها ليست رداً على تصرفات الغرب. هناك عمليات داخلية في روسيا تمثل ما نحن عليه اليوم.

• يحاول بوتين إعادة إنتاج الجغرافيا السياسية في القرن العشرين في حداثة القرن الحادي والعشرين، حيث الاقتصاد والتمويل والتكنولوجيا أكثر أهمية من الجغرافيا وكتلة الأرض. وفي روسيا، نرى إخفاقات في إدارة اقتصادها المدني، ونظامها المالي، والفشل في إنشاء التكنولوجيا الخاصة بها.

طباعة