تقاطُع المصالح بين ترامب وبوتين بشأن أسواق الطاقة يثير مخاوف كييف من تراجُع الدعم الأميركي

«صفقة الديزل الروسي» تُحدِث شرخاً في جبهة الغرب.. وتمنح موسكو مكسباً سياسياً

صورة

من خلال الموافقة على بيع مئات الآلاف من الأطنان من الديزل الروسي، إلى الأسواق العالمية التي تعاني نقصاً حاداً في هذه المادة، يكون الكرملين قد حقق مكسباً مهماً، لم تتمكن القوة العسكرية وحدها من تحقيقه في ميادين القتال المشتعلة شرق أوكرانيا، فهذه الصفقة لا تقتصر على عوائد مالية محتملة، بل تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية قد تنعكس على تماسك التحالف الغربي الذي سعى، منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، إلى عزل موسكو والحد من مواردها الاقتصادية.

وتتطلب الصفقة تعليق العقوبات المفروضة على صادرات النفط الروسي لمدة ستة أشهر، بما يسمح ببيع كميات كبيرة من الديزل بأسعار السوق العالمية، ويمثل ذلك مكسباً يرحب به الاقتصاد الروسي، الذي يعاني تداعيات الحرب المستمرة منذ عام 2022، والتي امتدت لفترة أطول بكثير مما كان متوقعاً.

غير أن الفائدة الأساسية بالنسبة للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لا تكمن بالضرورة في تحقيق إيرادات بمليارات الدولارات من مبيعات الديزل، بقدر ما تتمثل في إحداث شرخ جديد داخل المعسكر الغربي، فالجدل السياسي والتحليلات المتباينة التي أثارها الاتفاق قد تزيد من حدة الخلافات بين الدول الغربية، وتضعف تماسك التحالف الذي سعى إلى عزل موسكو رداً على حربها في أوكرانيا.

أزمة عالمية

وقد عبّر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن هذا التوجه بوضوح، عندما سخر من رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الذي وصف صفقة بيع الديزل الروسي بأنها «قرار ضعيف من شريك قوي»، معتبراً أنها توفر «أموالاً إضافية لهذه الحرب».

وقبل أن يدعو إلى اختيار رئيس آخر لأوكرانيا بدلاً من زيلينسكي، قال ترامب إن واشنطن أبلغت كييف بإمكانية اتخاذ ما تراه مناسباً في مواجهة روسيا، لكنها طلبت منها عدم استهداف مصافي النفط الروسية، لأن الأضرار لا تقتصر على موسكو، بل تمتد إلى العالم بأسره.

وأضاف ترامب أن تدمير المصافي يؤدي إلى أزمة عالمية، مشيراً إلى أن هذه الأزمة وقعت بالفعل، ومتهماً زيلينسكي بالسعي إلى إحداث مشكلات للعالم، بما في ذلك للمزارعين ومربي الماشية في الولايات المتحدة. وكان ترامب قد حمّل أوكرانيا مسؤولية ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، لاسيما داخل الولايات المتحدة.

تبايُن الرؤى

وفي المقابل، انحاز رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، إلى جانب زيلينسكي خلال محادثة جرت بينهما، الأحد الماضي، معتبراً أن الاتفاق «يتعارض تماماً مع جهود أوكرانيا وكندا وحلفائنا الرامية إلى إرساء السلام والاستقرار في أوروبا»، ويعكس هذا الموقف اتساع التباين في الرؤى داخل المعسكر الغربي بشأن كيفية التعامل مع روسيا، بين من يعطي الأولوية لخفض أسعار الطاقة وضمان استقرار الإمدادات، ومن يرى أن تخفيف القيود المفروضة على موسكو قد يقوض الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.

وخلال الأشهر الأخيرة، أدت الهجمات المتواصلة بالطائرات المسيرة الأوكرانية، التي توغلت في العمق الروسي، إلى تعطيل عدد من مصافي النفط، التي تمثل عنصراً أساسياً في الاقتصاد الروسي ومصدراً مهماً لتأمين احتياجات الجيش من الوقود، وقد شكلت هذه الهجمات ضغطاً متزايداً على قدرة موسكو على تكرير النفط وتوفير المشتقات النفطية اللازمة للسوق المحلية.

ومع تفاقم نقص الوقود في روسيا وتراجع الإنتاج بصورة حادة، علق الكرملين جميع صادرات الديزل خلال الشهر الجاري، بهدف ضمان توافر كميات كافية لتلبية احتياجات السوق الداخلية، وتمثل هذه الخطوة انتكاسة لافتة لدولة كانت تعد ثاني أكبر مصدر للديزل في العالم قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا، حيث باتت تواجه صعوبات في الموازنة بين احتياجاتها المحلية والتزاماتها تجاه الأسواق الخارجية.

أوراق ضغط

وسواء تمكنت روسيا فعلياً من توفير كميات الديزل الموعودة أم لم تتمكن، فإن تصوير واشنطن للهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية باعتبارها اعتداء على المصالح الأميركية يثير تساؤلات بشأن الأولويات التي تحكم السياسة الأميركية في هذه المرحلة، فمثل هذا الموقف يضع المصالح الاقتصادية المرتبطة باستقرار أسواق الطاقة في موقع متقدم، وقد يجعلها تتقاطع عملياً مع مصلحة موسكو في حماية بنيتها التحتية النفطية واستمرار عملها.

ومع ذلك، يرجح محللون ألّا تؤدي الصفقة وحدها إلى تغيير جوهري في أسعار الديزل العالمية، ما يثير تساؤلات بشأن حجم المكاسب الاقتصادية المباشرة التي قد تحققها، مقارنة بتداعياتها السياسية والاستراتيجية المحتملة.

وفي هذا السياق، تمتلك الولايات المتحدة أوراق ضغط مؤثرة يمكن أن تستخدمها لدفع أوكرانيا إلى الاستجابة لمطالبها، في مقدمتها التعاون الاستخباراتي الذي لاتزال واشنطن توفره لكييف، رغم توقفها عن تقديم الأموال والأسلحة إليها.

وتشكّل المعلومات الاستخباراتية الأميركية عنصراً محورياً في منظومة الدفاع الأوكرانية، حيث تعتمد كييف عليها في رصد التحركات الروسية وتحديد الأهداف وتخطيط العمليات العسكرية، ومن ثم فإن احتمال انقطاع هذا الدعم أو تقييده قد يشكّل ضغطاً كبيراً على أوكرانيا، خصوصاً إذا استمرت في استهداف البنية التحتية الروسية التي تسعى إدارة ترامب إلى إبعادها عن دائرة الهجمات.

مخاوف أوكرانية

ولا يبدو هذا التهديد نظرياً بالكامل، حيث سبق للولايات المتحدة أن اتخذت خطوة مماثلة في أعقاب المشادة الكلامية الشهيرة بين ترامب وزيلينسكي، التي وقعت في المكتب البيضاوي العام الماضي، ما يعزز المخاوف الأوكرانية من إمكانية استخدام أدوات الدعم الأميركي للتأثير في قرارات كييف العسكرية.

وإدراكاً منه لهذه المخاطر، أبدى زيلينسكي استعداداً للتعاون، لكنه ربط ذلك باتخاذ روسيا خطوة مماثلة ووقف هجماتها على البنية التحتية الأوكرانية، وقال في تصريح حديث: «ستكون أوكرانيا مستعدة للتوقف عن ضرب مصافي النفط الروسية إذا توقفت روسيا عن ضرب بنيتنا التحتية للطاقة».

ويعكس هذا الموقف محاولة أوكرانية للموازنة بين الضغوط الأميركية ومتطلبات الدفاع عن أراضيها ومصالحها الحيوية، في وقت تواجه كييف تحدياً متزايداً يتمثل في الحفاظ على دعم حليفها الأميركي، من دون التخلي عن إحدى الأدوات العسكرية التي تعتمد عليها في إلحاق الضرر بالقدرات الاقتصادية الروسية.

وبالنسبة إلى أوكرانيا، قد يبدو هذا المشهد بمثابة انتكاسة سياسية جديدة، لاسيما أن الرئيس الأميركي سبق أن أبدى، في بعض الأحيان، تقديراً للتكتيكات العسكرية التي تعتمدها كييف في مواجهة القوات الروسية، لكنه يقوم الآن بتقويض سلاحها غير المتكافئ، لكنه الأكثر فاعلية، والمتمثل في الهجمات بالطائرات المسيرة على مصافي النفط، وربما تحييده، ليس بفعل أنظمة الدفاع الجوي الروسية، بل بسبب الضغوط الدبلوماسية الأميركية ورغبة ترامب في إبرام صفقة مع الكرملين.

رسالة سياسية

وفي الجانب الروسي تسود أجواء من التفاؤل إزاء التطورات الأخيرة، فقد أعلن بوتين، في بيان رسمي أعقب مكالمة هاتفية جرى الإعداد لها مسبقاً مع ترامب، الجمعة الماضية، أن روسيا مستعدة لتوريد النفط والمنتجات النفطية إلى السوق الأميركية والأسواق العالمية عموماً.

وقال: «أنا واثق من أن ذلك سيكون له أثر إيجابي على الاقتصاد العالمي بأسره»، وتحمل هذه التصريحات رسالة سياسية واضحة، حيث تسعى موسكو إلى تقديم نفسها باعتبارها مورداً قادراً على المساهمة في استقرار أسواق الطاقة العالمية، مستفيدة من المخاوف المرتبطة بنقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.

لكن خلف التصريحات العلنية، قد تجد القيادة الروسية في الاتفاق فرصة لتعزيز موقعها السياسي والاقتصادي، بعد سنوات من العقوبات الغربية التي استهدفت تقليص عائداتها النفطية وإضعاف قدرتها على تمويل الحرب، فإمكانية استئناف صادرات الديزل، أو تخفيف القيود المفروضة على بعض الإمدادات الروسية، قد تمنح موسكو متنفساً اقتصادياً، فضلاً عن أنها تفتح الباب أمام نقاشات جديدة بشأن جدوى استمرار سياسة العزل الاقتصادي.

تسوية محتملة

ويبدو أن بوتين وترامب يشتركان في الرغبة في وقف الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيرة على مصافي النفط الروسية، في ظل ما تسببه هذه الهجمات من اضطرابات في إمدادات النفط ومشتقاته، وما قد يترتب عليها من ارتفاع في الأسعار العالمية، غير أن دوافع كل طرف قد تختلف، فبينما تسعى واشنطن إلى احتواء اضطرابات أسواق الطاقة، تعمل موسكو على حماية منشآتها الحيوية وتخفيف الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب والعقوبات.

ولا يقتصر التقاطع بين مواقف الرئيسين على ملف الطاقة، بل يمتد إلى الرغبة في تغيير القيادة الأوكرانية، بما قد يتيح التوصل إلى اتفاق سريع لإنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات، والتي لاتزال آفاق تسويتها غير واضحة، ويثير هذا الطرح تساؤلات بشأن مستقبل الدور الأوكراني في أي تسوية محتملة، ومدى قدرة كييف على الدفاع عن شروطها في ظل الضغوط التي تتعرض لها من حلفائها.

عن «سي إن إن»


ضربة قوية

بعد أسابيع قليلة من توقيع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على قانون طرحه السيناتور الراحل، ليندسي غراهام، يتيح فرض عقوبات صارمة على الدول التي تشتري النفط الروسي، باتت واشنطن تتجه نحو التعامل مع النفط الروسي بوصفه مصدراً محتملاً للإمدادات، ويكشف هذا التحول عن تعقيدات السياسة الأميركية في التعامل مع موسكو، حيث تتداخل أهداف الضغط السياسي والاقتصادي مع اعتبارات أمن الطاقة واستقرار الأسواق، ويبدو أن جبهة الدول الغربية التي عانت من الإنهاك لكنها ظلت متماسكة نسبياً في مواجهة موسكو الغنية بالموارد لأكثر من أربع سنوات، تتلقى الآن ضربة قوية أخرى غير متوقعة.

• الكرملين يستفيد من تباين المواقف الغربية، في وقت تتزايد التساؤلات بشأن أولويات واشنطن بين دعم كييف وضمان استقرار أسواق الطاقة.

تويتر