العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    محللون أميركيون:

    الولايات المتحدة لم تعد تكسب الحروب كما اعتادت

    صورة

    منذ عام 1945 لم تحقق واشنطن نصراً مؤزراً في حروبها الخارجية باستثناء حرب الخليج عام 1991، حيث يعكس انسحابها من أفغانستان والعراق مشكلاتها في التعامل مع حرب العصابات. قبل أيام قليلة من سقوط سايغون في أبريل 1975، وهو حدث يمثل نهاية حرب فيتنام، أجرى القائد بالجيش الأميركي، الكولونيل هاري ج. سمرز جونيور، محادثة في هانوي مع عقيد من جيش ثوار فيتنام الشمالية، اسمه تو، خلال مفاوضات سلام بين الجانبين. قال سمرز: «أنت تعلم أنكم لن تهزمونا أبداً في ساحة المعركة». فكر العقيد الفيتنامي الشمالي لحظة، ثم أجاب: «قد يكون الأمر كذلك بالنسبة لكم، لكنه أيضاً ليس كذلك بالنسبة لنا». وردت هذه المحادثة في كتاب سمرز عام 1982 حول الاستراتيجية: تحليل نقدي لحرب فيتنام.

    ويوضح هذا الحوار التناقض الأميركي في معظم الصراعات التي ستأتي لاحقاً. بعد عام 1945 أصبحت الولايات المتحدة قوة عظمى، وجعلها سقوط الاتحاد السوفييتي في ما بعد الزعيم الأوحد في العالم، لكنها لم تعد تكسب حرباً بشكل أساسي. لم تحقق البلاد نصراً واضحاً لا جدال فيه بعد حرب الخليج عام 1991. لقد تغيرت طبيعة الحروب، حيث أصبح معظمها صراعات أهلية يتخذ العدو فيها شكل جماعات إرهابية تنقسم الى عدد لا يحصى من الفصائل الصغيرة في كل اتجاه؛ ما يشكل مستنقعاً خالصاً.

    لعنة حرب فيتنام

    استنتج سمرز، الذي أصبح كاتباً وباحثاً في حرب فيتنام، أن نظيره الفيتنامي الشمالي كان على حق: بغض النظر عن العمل في ساحة المعركة، فقد خسر الأميركيون الحرب التي استمرت 20 عاماً بطريقة مخيبة للغاية، لدرجة أنها أصبحت رمزاً وشعاراً: «لا نريد فيتنام أخرى».

    لم يُرد الشعب الأميركي فيتنام أخرى في أفغانستان، ولا في العراق، ولا واحدة من أي من الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في أوائل القرن الحادي والعشرين، والتي سرعان ما تحولت إلى طرق مسدودة. هي صراعات لم تخسر فيها ولكن لم تربح فيها أيضاً، وأصبح من الصعب على واشنطن التخلي عنها. في حالة أفغانستان، استغرق الأمر عقدين. ومن المقرر أن تغادر آخر القوات الأميركية أفغانستان في 31 أغسطس، تاركة البلاد تحت رحمة مقاتلي «طالبان»، الذين يزدادون قوة يوماً بعد يوم. وفي العراق، موقع أكثر الحروب التي لا تحظى بشعبية في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، وافق الرئيس جو بايدن يوم الاثنين على إنهاء المهمة القتالية بحلول نهاية عام 2021، بعد 18 عاماً.

    هذه صراعات تنتهي دون استسلام ودون مراسم انتصار أيضاً، حيث لا يكاد العدو يُرى ولا يرتدي زياً رسمياً. واعترف بايدن بأنه مع المضي قدماً في أفغانستان، لا يمكن للإدارة أن تتوقع أي نتائج مختلفة عن تلك التي حصلت عليها أميركا بالفعل. وفي خطاب ألقاه في أبريل، قال الرئيس إن الوقت قد حان لانسحاب القوات الأميركية من هناك.

    سبب خسارة حروب أميركا

    أخضع أستاذ العلوم السياسية في كلية سوارثمور، دومينيك تيرني، موضوع حروب أميركا للتحليل بعمق في كتابه «سبب خسارة الحرب.. أميركا في عصر الصراعات التي لم تنتصر فيها»، ويقول: «الولايات المتحدة فعالة للغاية في كسب الحروب إذا كانت الحرب بين الدول، وهذا هو سبب انتصارها في حرب الخليج عام 1991، ولكن في الوقت الحالي أصبح 90٪ من الصراعات أهلية، يشن فيها رجال حرب العصابات والإرهابيون والمتمردون قتالاً ضد القوات الغازية في البلد نفسه، والقوات الغازية تواجه مشكلات بسبب عدم فهمها للسياسة المحلية أو الديناميكيات الداخلية. أفغانستان حالة واضحة للغاية، لأنها حرب دخلت فيها الولايات المتحدة فجأة مع هجمات عام 2001 على مركز التجارة العالمي في نيويورك، وقلمّا فهمت أي شيء عن البلد».

    شن الرئيس آنذاك جورج دبليو بوش هجوماً مع حلفائه بعد شهر من أحداث 11 سبتمبر على أفغانستان، لأن «طالبان» كانت تؤوي زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن، وقادة آخرين من «القاعدة» على صلة بالهجوم. كان الهدف هو تدمير هذه المجموعة الإرهابية وطرد «طالبان» من أفغانستان. ويقول تيرني إن هذا العمل يجب أن يوصف بالفشل، لم تستسلم الولايات المتحدة لهجمات «طالبان»، لكنها تكبدت حملة مكلفة للغاية استمرت 20 عاماً، سواء من حيث الأرواح أو الكلفة المالية، والنتيجة النهائية هي أن «طالبان» صارت تتصاعد مرة أخرى. ويضيف المؤلف: «إذا استطعنا العودة إلى عام 2001 وإخبار الناس بأن (طالبان) ستظل بعد نحو عقدين من الزمان فسيصابون بالرعب».

    إهدار للأرواح والثروة

    ويضيف تيرني: «في الأيام الأولى للحملة كان هناك شعور بالنصر، لأن عدداً قليلاً من الجنود تمكنوا من طرد (طالبان)، وشجعت هذه الخطوة المضللة بوش على التفكير في غزو العراق بعد ذلك بعامين، ولكن مع مرور الوقت، ظهرت مشكلتان أساسيتان: الأولى أن (طالبان) تتمتع بدعم كبير بين السكان من قومية البشتون، وأن باكستان شكلت ملاذاً يمكنهم اللجوء إليه والتعافي قبل العودة إلى الحرب». وشدد على أن «الحرب انتهت بالنسبة للولايات المتحدة، ولكن ليس بالنسبة للأفغان».

    محلل شؤون الدفاع في معهد كوينسي، مارك بيري، ومؤلف عشرات الكتب حول السياسة الخارجية والحرب، لا يتفق معه جزئياً. ومن وجهة نظره، فإن مقتل أسامة بن لادن وتفكك «القاعدة»، شكلا الهدفين الرئيسين للحملة، ما يعني أنه لا ينبغي إضافة أفغانستان إلى قائمة الهزائم الأميركية، حتى لو لم يكن هذا انتصاراً بالتأكيد.

    ويضيف بيري أن المشكلة تكمن في أن الولايات المتحدة حاولت أن تفعل الكثير. ويقول «لم نكن أبداً جيدين في بناء الأمة، وأهدرنا الأرواح والثروة في خضم محاولاتنا لذلك، الشيء نفسه حدث مع العراق وسورية، رغم أن سورية حالة خاصة، لأننا لم نحاول الدخول هناك».

    لدى الولايات المتحدة نحو 200 ألف جندي منتشرين في جميع أنحاء العالم، على الرغم من أن هذا الرقم يختلف بشكل دائم بسبب قرارات الانسحاب والتعزيز التي يتم اتخاذها بشكل شبه يومي، والتي لا تشمل العمليات الخاصة أو السرية. وسعى بايدن والرئيس السابق، دونالد ترامب - وإن كان ذلك بأسلوب متعارض تماماً - إلى تقليل نطاق الجهود والموارد الأميركية في الشرق الأوسط، والتركيز بدلاً من ذلك على التحديات التي تمثلها الصين هذه الأيام على الجبهتين الاقتصادية والعسكرية.

    العراق يختلف

    لكن العراق يختلف عن أفغانستان، وبدلاً من انسحاب جذري للقوات المتبقية البالغ عددها 2500 جندي، تفاوضت واشنطن مع بغداد على إعادة تعريف دورها كمزود للتدريب والدعم اللوجستي. كانت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما قد أعلنت بالفعل نهاية الحرب في عام 2011، عندما لم تكد تترك أي قوات في العراق، لكن في عام 2014 عاد الجنود الأميركيون عندما طلبت الحكومة العراقية المساعدة في التعامل مع الإرهاب الذي يمارسه تنظيم «داعش».

    العراق أكبر خطأ أميركي

    يعتقد محلل شؤون الدفاع في معهد كوينسي، مارك بيري، أن حرب العراق كانت أكبر خطأ في السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ 40 عاماً. صقور إدارة جورج بوش الابن دفعوا من أجل ذلك على أساس الوجود المزعوم لأسلحة دمار شامل لم يعثر عليها قط. ويقول «ما كان يجب أن نذهب إلى هناك، وبعد أن ذهبنا كان يجب أن يكون هدفنا هو الإطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين، ثم العودة، الآن نحن نعود إلى بلادنا ولكن بعد 20 عاماً».

    وبحسب هذا الخبير، فإن «الحرب على الإرهاب قد خضناها وانتهت، والدرس المستفاد من السنوات القليلة الماضية هو أنه ما كان ينبغي للولايات المتحدة أن تتورط في صراعات أهلية في الخارج، وقد رأينا عدم التدخلات الأميركية الأخيرة من هذا النوع». ويبدو أن أحداث الأسابيع القليلة الماضية تثبت أنه على حق، فبعد اغتيال رئيس هاييتي، جوفينيل موس، طلبت الحكومة المؤقتة من القوات الأميركية مساعدتها على الاستقرار في البلاد. وبعد أيام قليلة رد بايدن بأن مثل هذه الخطوة ليست على جدول الأعمال الأميركي.

    لم يُرد الشعب الأميركي فيتنام أخرى في أفغانستان، ولا في العراق، ولا واحدة من أي من الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في أوائل القرن الحادي والعشرين، والتي سرعان ما تحولت إلى طرق مسدودة. هي صراعات لم تخسر فيها ولكن لم تربح فيها أيضاً، وأصبح من الصعب على واشنطن التخلي عنها.

    لدى الولايات المتحدة نحو 200 ألف جندي منتشرين في جميع أنحاء العالم، على الرغم من أن هذا الرقم يختلف بشكل دائم بسبب قرارات الانسحاب والتعزيز التي يتم اتخاذها بشكل شبه يومي، والتي لا تشمل العمليات الخاصة أو السرية.

    • تغيرت طبيعة الحروب، حيث أصبح معظمها صراعات أهلية يتخذ العدو فيها شكل جماعات إرهابية تنقسم إلى عدد لا يحصى من الفصائل الصغيرة في كل اتجاه؛ ما يشكل مستنقعاً خالصاً.

    • العراق وأفغانستان من نوع الصراعات التي تنتهي دون استسلام ودون مراسم انتصار أيضاً، حيث لا يكاد العدو يُرى ولا يرتدي زياً رسمياً.

    طباعة