أوكرانيا تستطيع أن تجرّ قوة عظمى إلى صراع لا ترغب في دخوله فعلياً

«آسيا تايمز»: العالم «مباراة من دون حَكَم» لكننا لسنا على أبواب حرب عالمية ثالثة

الصراع في الشرق الأوسط وسع الهوة بين واشنطن والحكومات الغربية. رويترز

نسمع كل بضعة أشهر شخصاً أو منظمة فكرية أو محطات تلفزة تعلن أن العالم متجه نحو حرب عالمية ثالثة، وجرى ذلك بعد الحرب في أوكرانيا عام 2022، وحدث مرة أخرى عندما حلّقت الطائرات الصينية فوق جزيرة تايوان، وعندما تبادلت إيران وإسرائيل الضربات ضد بعضهما بعضاً.

لا يُستخدم مصطلح «الحرب العالمية الثالثة» كتحليل بقدر ما يُستخدم للتعبير عن حالة مزاجية، كوسيلة للإشارة إلى شعور بعدم الاستقرار، وبالفعل فإن ذلك يدعو إلى عدم الاستقرار، لكن «الشعور بعدم الاستقرار» و«التوجه نحو حرب عالمية» ليسا شيئاً واحداً، والخلط بينهما يُعدّ خطأ سياسياً، لأنه يبرر ردود فعل حالات التدخل بين الدول التي تفاقم الصراعات الإقليمية بدلاً من احتوائها.

وفي الواقع، فإن ما حدث خلال العام الجاري، ليس اشتعالاً بطيئاً لحرب عالمية واحدة، وإنما هو تفكك تدريجي للنظام الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب، والذي يتكشف في وقت واحد على ست جبهات لم تتوحد بعد في صراع واحد، وهذه مشكلة مختلفة، بل أكثر خطورة من بعض النواحي، لأنه يصعب تحديدها، وكذلك يصعب ردعها، وبالتأكيد وضع نهاية لها.

عند البدء بالحرب في أوكرانيا، نرى أن الحرب دخلت عامها الخامس، وأصبح الخط الفاصل بين «الحرب بالوكالة» و«المواجهة المباشرة بين الناتو وروسيا» أكثر ضبابية.. ضربات أعمق، وأسلحة بعيدة المدى، وإشارات نووية أكثر وضوحاً من موسكو، وهذا هو في الواقع أخطر عامل منفرد يؤدي إلى سوء تقدير يحوّل حرباً إقليمية إلى حرب أوسع نطاقاً.

لكن «المسار الخطر» لا يعني أنه «المسار الحتمي»، فواشنطن وموسكو لم تتصرفا، على مدى أكثر من أربع سنوات، كحكومتين تسعيان فعلاً إلى حرب مباشرة مع الأخرى، إذ يستمر كلا الجانبين في تحديد حافة التصعيد ثم التوقف قبل الوصول إليها.

بدوره، لايزال الشرق الأوسط مشتعلاً كما كانت عليه الحال لعقود، واتساع الهوة بين موقف واشنطن والحكومات الغربية حول الصراع في المنطقة، لا يُعدّ عاملاً محفزاً للحرب بقدر ما هو عرض لمشكلة، فالتوافق الأمني الأميركي الذي كان يُستخدم للتستر على التوترات الإقليمية يتلاشى حتى بين أقرب الحلفاء.

وثمة مسرح آخر يُغفل ذكره في سياق «الحرب العالمية الثالثة»، لكنه يعبر عن الكثير، ألا وهو فنزويلا، حيث أطاحت حملة لتغيير النظام، بقيادة الولايات المتحدة، بحكومة بأكملها.

وهذا هو النمط الذي حذّر منه الواقعيون لجيل كامل: ليس مواجهةً ثنائية القطب بين قوتين عظميين، بل قوة عظمى تزداد استعداداً للتصرف بصورة منفردة، ومتحررة من قيود المؤسسات وانضباط التحالفات التي كانت تُبطئ مثل هذه الأمور، وأضف إلى ذلك: «غرينلاند»، والحدود الإثيوبية الإريترية، والحدود التايلاندية الكمبودية، وستحصل على عالم كأنه «مباراة دون حَكَم»، هذا هو التشخيص الأكثر صدقاً، ليس عداً تنازلياً لحرب عالمية، بل تآكل للضوابط، أي التزامات التحالفات، وإشارات الردع، والجهود الدبلوماسية التي لطالما أبقت الصراعات في نطاقها الإقليمي.

وتتطلب أي حرب عالمية حقيقية من القوى العظمى اختيار المواجهة المباشرة في ما بينها، وما نشهده بدلاً من ذلك هو وجود قوى عظمى ومتوسطة عدة تسعى كلٌّ منها إلى تحقيق أهداف أضيق وأكثر نفعية، تتصادم أحياناً، من دون قصد على الأغلب.

لا يكمن الخطر في المبالغة في تشخيص «الحرب العالمية الثالثة» في عدم الدقة فحسب، بل في أنه يميل إلى إنتاج السياسات ذاتها، أي الالتزامات القصوى، والاستعراضات العسكرية التلقائية، والتعامل مع كل نزاع إقليمي كاختبار وجودي للعزيمة، التي تجعل إخماد النزاعات الصغيرة أكثر صعوبة.

ويبقى السؤال الأكثر جدوى ليس «هل نحن على وشك حرب عالمية؟»، بل «أي صراع من هذه الصراعات يمكن على الأرجح أن يجرّ قوةً عظمى إلى صراع لا ترغب في الدخول فيه فعلياً؟»، وهنا لاتزال أوكرانيا تتصدر هذه القائمة، أما ما عدا ذلك، فيُعدّ في الوقت الراهن عرضاً من أعراض الاضطراب، وليس خطوة نحو حرب عالمية.  عن «آسيا تايمز»

• ما يجري ليس مواجهةً ثنائية القطب بين قوتين عظميين، بل قوة عظمى تزداد استعداداً للتصرف بصورة منفردة، ومتحررة من قيود المؤسسات وانضباط التحالفات التي كانت تُبطئ مثل هذه الأمور.

تويتر