المحلل الاقتصادي فاسوكي شاستري:

«عقلية المافيا» الحاكمة تهدّد تجربة النمو الاقتصادي في آسيا

صورة

على مدى سنوات طويلة ظل المسؤولون والمستثمرون في كثير من مناطق العالم، يرددون عبارات مثل «آسيا هي مستقبل اقتصاد العالم» و«النمو هناك مذهل، والفرص هائلة».

ورغم أن هذه العبارات تنطوي على قدر من الحقيقة، فإنها تتجاهل التحولات في عالم الأعمال والسياسة، بحسب المحلل الاقتصادي فاسوكي شاستري.

ويرى فاسوكي شاستري مؤلف كتاب «هل خسرت آسيا؟» أن الزيادة في إجمالي الناتج المحلي لدول آسيا خلال العقود العديدة الماضية كانت مذهلة. ولكن وتيرة النمو تباطأت منذ التسعينات، كما لم تتعافَ المنطقة تماماً من تداعيات الأزمة المالية التي ضربتها في أواخر ذلك العقد. وأخيراً، جاء الصراع التجاري بين الولايات المتحدة والصين لكي يقوض محوراً رئيساً من محاور نجاح آسيا، وهو سلاسل توريدات قطاع التصنيع التي تدور حول الصين من خلال توريد مكونات الصناعة من أنحاء المنطقة، خصوصاً في جنوب شرق آسيا. كما أن معدلات الإنجاب في آسيا تتراجع، ونسب المسنين في المجتمعات تتزايد، والفجوة بين الحاكم والمحكومين تتسع.

ويقول الكاتب دانيال موس في تقرير نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء، إن شاستري محلل قادم من عمق الاقتصاد المؤسسي مما يجعل آراءه أكثر واقعية، حيث عمل في مؤسسة النقد السنغافورية (البنك المركزي) وصندوق النقد الدولي، وبنك ستاندرد تشارترد البريطاني، وهو يعمل حالياً باحثاً في معهد تشاتام هاوس البريطاني للأبحاث.

ويقول شاستري في حوار أجراه معه موس، إن تراجع معدلات نمو الاقتصادات الآسيوية خلال جائحة فيروس كورونا المستجد، بعد سنوات من النمو القوي، يجب أن يكون جرس إنذار، مضيفاً أن المشكلة في دول آسيا النامية هي أن بعض الدول حققت معدلات نمو عالية مثل بنغلاديش وفيتنام في حين تكافح الدول الأخرى. وحققت إندونيسيا نمواً بمعدل 5% سنوياً، خلال العقد الماضي. ولكن هذا لم يتحول إلى نمو في المداخيل، ولا إلى حراك اجتماعي. معنى ذلك أنه حتى إذا واصلت الاقتصادات النامية في آسيا نموها القوي، فسيظل الحراك الاجتماعي جامداً.

قيادة بعقلية المافيا

وفي كتابه الأخير «هل خسرت آسيا؟» قال شاستري إن منطقة آسيا تعرضت للاختطاف على يد «قيادة بعقلية المافيا»، مضيفاً في حواره «اعتدت على الشعور بالفخر لكوني عضواً في هذه المافيا لسنوات عدة. هذه المافيا تتكون من قادة أعمال وصحافيين والمحللين الذين يعملون في مراكز الأبحاث والمجتمع الأكاديمي. في الوقت نفسه فإن لأميركا مصلحة كبيرة في المحافظة على مكانتها كقوة عظمى في المحيط الهادئ».

ويضيف شاستري، أنه في الوقت نفسه فإن كل زعيم أوروبي أو أميركي يزور المنطقة يتحدث عن آسيا باعتبارها المنطقة الأكثر ديناميكية في العالم. والحقيقة أنهم جميعاً يعيشون داخل فقاعة، وبمجرد الخروج من هذه الفقاعة، كما حدث معي، والتحدث إلى الناس في الشارع، كما هي الحال في مومباي بالهند، لا تمر مخاوفهم وأفكارهم وتطلعاتهم ورغباتهم عبر الفقاعة، ولا تتخطى هذه الفقاعة، ولا يتم تلبيتها. وإذا كان هناك هذه النخبة الراضية عن نفسها التي تتحدث عن نمو مرتفع، فإنها لا تستمع لأصوات الشارع. وآلية نقل الأصوات المعتادة هي الطبقة السياسية. لكن في كثير من الحالات تتماهى الطبقة السياسية مع نخبة رجال الأعمال والأكاديميين في تلك المجتمعات، لذلك فإن هذه الآلية لا تعمل بالصورة المطلوبة.

ويرى شاستري أن العوامل الديموغرافية مهمة سواء بالنسبة لكيفية تعامل الصين مع سكانها المسنين، أو كيفية إدارة الهند وإندونيسيا لهذه النقطة المميزة، لأنهما تضمان عدداً كبيراً من الشباب وتشهدان نمواً سكانياً كبيراً. في المقابل، فإن أعداداً كبيرة من سكان البلدين يحصلون على درجات علمية كبيرة، لكنهم لا يستطيعون العثور على وظائف مناسبة. فما معنى الحصول على درجة علمية جيدة، ثم لا يمكن الحصول على وظيفة مناسبة؟ فهذه هي الطبقة الطموحة.

وقال شاستري إنه إذا نظرنا إلى ما يسمى الربيع العربي عام 2011، سنجد أن هؤلاء الشباب المتعلم هم الذين قادوا أحداث الربيع العربي. لذلك لا يجب دفع الجميع نحو الحصول على درجات جامعية، مع زيادة الاستثمار في التدريب المهني والتعليم الفني، بحيث يكون الهدف النهائي هو الانتقال إلى طبقة أعلى على سلم الحراك الاجتماعي.

وعن تداعيات النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين، قال شاستري إن هذا النزاع، وانتقال بعض سلاسل التوريد الصناعية من الصين إلى دول أخرى مثل فيتنام، مؤثر للغاية على المنطقة، مضيفاً أنه من الصعب على أي رجل أعمال، تفكيك ونقل نقطة التجميع النهائية التي أقامها لمدة 30 عاماً في الصين إلى الولايات المتحدة وأوروبا، فهذه السلاسل مرتبطة بالصين من الناحية العملية. لكنّ الخبراء الجيوسياسيين اختطفوا النقاش العام حول هذا الملف، وحصروه في زاوية الأمن الإقليمي، وتجاهلوا الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية له.

4 سنوات قاسية

وحول سيناريوهات تراجع أميركا وصعود الصين، قال شاستري إن أميركا مرت بأربع سنوات قاسية مع حكم الرئيس السابق دونالد ترامب. كل هذا أضر بصورتها في العالم. ومع ذلك وعندما تفشت جائحة فيروس كورونا المستجد في أوائل 2020، اتجه العديد من محافظي البنوك المركزية الآسيوية، بشكل طبيعي إلى مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي) الأميركي، وليس إلى صندوق النقد الدولي، لآن السيولة الدولارية كانت أكثر ما تحتاجه الدول جيدة الإدارة في مثل هذه الأزمات.

وكان هناك حديث عن اليوان الصيني كبديل صالح للدولار، ولكن من الناحية الاقتصادية والمالية البحتة، مازالت آسيا بحاجة إلى أميركا نابضة بالحياة. ورغم أن الناس في آسيا يتحدثون سراً عن القلق من صعود الصين وما يعنيه ذلك من تداعيات، في المقابل هناك من يرى أنه لا بأس في الحديث عن تراجع أميركا بشكل نهائي. ولكن الأشخاص الذين يفعلون ذلك إما لا يعرفون البيانات أو يتجاهلونها.

• جاء الصراع التجاري بين الولايات المتحدة والصين لكي يقوض محوراً رئيساً من محاور نجاح آسيا، وهو سلاسل توريدات قطاع التصنيع التي تدور حول الصين من خلال توريد مكونات الصناعة من أنحاء المنطقة، خصوصاً في جنوب شرق آسيا.

• رغم أن الناس في آسيا يتحدثون سراً عن القلق من صعود الصين وما يعنيه ذلك من تداعيات، في المقابل هناك من يرى أنه لا بأس في الحديث عن تراجع أميركا بشكل نهائي.

• معدلات الإنجاب في آسيا تتراجع، ونسب المسنين في المجتمعات تتزايد، والفجوة بين الحاكم والمحكومين تتسع.

• العوامل الديموغرافية مهمة سواء بالنسبة لكيفية تعامل الصين مع سكانها المسنين، أو كيفية إدارة الهند وإندونيسيا لهذه النقطة المميزة، لأنهما تضمان عدداً كبيراً من الشباب وتشهدان نمواً سكانياً كبيراً.

طباعة