موسكو تراهن على الاستثمارات والتكنولوجيا الصينية لتطوير موانئها وممراتها.. وبكين تبحث عن مسارات بديلة
روسيا والصين تعيدان رسم خريطة التجارة البحرية العالمية عبر القطب الشمالي
كشفت الزيارة الأخيرة التي أجراها مستشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نيكولاي باتروشيف، إلى الصين، ولقاءاته مع القيادة الصينية والرئيس، شي جين بينغ، عن أهداف تتجاوز مجرد جولة جديدة من الحوار الاستراتيجي بين موسكو وبكين، حيث تسعى روسيا من خلال هذه التحركات إلى تحويل تعاونها البحري مع الصين إلى منظومة متكاملة من البنية التحتية والتقنيات والخدمات اللوجستية، بما يضمن قدرتها على الصمود في مواجهة الضغوط الجيوسياسية المتزايدة.
أما المقترحات التي جرى بحثها خلال الزيارة، فتشمل ربط «طريق الحرير البحري» الصيني بـ«ممر النقل عبر القطب الشمالي» الروسي، وتطوير الموانئ الروسية، وتبادل الخبرات والتقنيات المتعلقة بأتمتة محطات الحاويات، إلى جانب إجراء أبحاث بحرية مشتركة، ومع ذلك لاتزال معظم هذه المقترحات في إطار الخطط والتصورات التي لم تنتقل بعد إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه المبادرات تستحق اهتماماً خاصاً، نظراً إلى وقوعها عند نقطة التقاء ثلاثة اتجاهات رئيسة تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، تتمثّل في تعزيز أمن سلاسل التوريد، والانفتاح المتزايد لمنطقة القطب الشمالي أمام الأنشطة التجارية والملاحية، والتجزؤ المتنامي للعولمة البحرية إلى شبكات وممرات تتنافس في ما بينها.
طابع تجاري
وقد اتسمت المقترحات التي طرحها باتروشيف بطابع تجاري واقتصادي واضح، حيث تسعى موسكو إلى إشراك الشركات الصينية في تطوير «طريق بحر الشمال» والممرات المرتبطة به، وإنشاء خطوط مباشرة لنقل الحاويات تربط ميناء يانغشان في شنغهاي بالموانئ الروسية، فضلاً عن استقطاب الاستثمارات الصينية لتطوير المحطات البحرية، والاستفادة من الخبرات والتقنيات الرقمية الصينية في مجال أتمتة عمليات الموانئ.
ولم تقتصر المبادرات المطروحة على الجوانب التجارية واللوجستية، بل شملت أيضاً اقتراح تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات صناعة السفن والتعليم والأبحاث البحرية، وفي المقابل وصفت بكين التعاون البحري بين الجانبين بأنه «قوة دفع زرقاء» للعلاقات الثنائية، في إشارة إلى الدور الذي يمكن أن يؤديه الاقتصاد البحري في توسيع نطاق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
أهمية متزايدة
ويبدو المنطق الاقتصادي الذي تستند إليه هذه المبادرات واضحاً، فالصين تُعدّ أكبر شريك تجاري لروسيا، في حين تتحول روسيا بوتيرة متسارعة إلى مورد رئيس للطاقة والمواد الخام للسوق الصينية، ووفقاً لبيانات الحكومة الصينية، تجاوز حجم التجارة الثنائية بين البلدين حاجز 200 مليار دولار للعام الثالث على التوالي في عام 2025.
وفي ظل هذه المعطيات، لم يعد النقل البحري مجرد وسيلة تقليدية لنقل البضائع بين البلدين، بل أصبح امتداداً استراتيجياً للعلاقات الاقتصادية والسياسية بينهما.
وتضفي منطقة القطب الشمالي بُعداً إضافياً بالغ الأهمية على هذه الشراكة، حيث سجلت روسيا خلال عام 2024 حركة شحن بلغت 37.9 مليون طن عبر «طريق بحر الشمال»، من بينها 3.09 ملايين طن من بضائع الترانزيت، وهو مستوى قياسي غير مسبوق في تاريخ هذا المسار الملاحي.
وعلى الرغم من أن هذه الأرقام لاتزال محدودة مقارنة بحجم التدفقات التجارية العالمية التي تمر عبر قناة السويس، فإن الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية لطريق بحر الشمال تتزايد تدريجياً، ومع ذلك لايزال هذا المسار يواجه مجموعة من التحديات الهيكلية، من أبرزها الظروف الجليدية القاسية، وارتفاع أقساط التأمين، والحاجة إلى استخدام سفن متخصصة قادرة على الملاحة في المياه القطبية، فضلاً عن محدودية البنية التحتية المساندة وقصر موسم التشغيل الملائم للملاحة.
ومع ذلك، فإن هذه العقبات لم تمنع تزايد الاهتمام الدولي بالممرات البحرية الشمالية، فقد ذكرت وكالة «رويترز» للأنباء أن سفينة صينية مخصصة لنقل الحاويات نفذت رحلة من الصين إلى بريطانيا عبر القطب الشمالي في أكتوبر عام 2025، استغرقت نحو 20 يوماً، مقارنة بالمدة التي تراوح بين 40 و50 يوماً عبر الطرق التقليدية.
استفادة
وبالنسبة إلى الصين، تكتسب هذه الإمكانات أهمية استراتيجية كبيرة، حيث أمضت بكين سنوات في العمل على تعزيز مرونة طرقها التجارية وشبكات موانئها وسلاسل إمدادات الطاقة لديها، من خلال البحث عن مسارات بديلة تتيح لها مواصلة تجارتها في حال تعرض أحد الممرات الرئيسة للاضطراب.
ومن شأن تطوير ممر بحري شمالي أكثر كفاءة وقدرة على استيعاب حركة الشحن أن يقلل من مخاطر الاعتماد المفرط على نقاط الاختناق البحرية الاستراتيجية، كما يمكن أن يتيح للشركات الصينية فرصاً أوسع للوصول إلى الموارد الطبيعية والبنية التحتية الروسية في منطقة القطب الشمالي.
أما بالنسبة إلى موسكو، فإن الاستفادة من رؤوس الأموال الصينية والطلب المتزايد على خدمات الشحن، إلى جانب التكنولوجيا والخبرات الصناعية الصينية، قد تساعد روسيا على تحويل طموحاتها المتعلقة بتطوير القطب الشمالي إلى منظومة لوجستية أكثر فاعلية وقدرة على المنافسة.
متابعة دقيقة
ولاشك أن هذه التحركات ستخضع لمتابعة دقيقة من جانب واشنطن، فالولايات المتحدة تنظر بالفعل إلى منطقة القطب الشمالي باعتبارها إحدى الساحات التي تتصاعد فيها المنافسة الاستراتيجية بين القوى الكبرى، وفي عام 2025، أفاد خفر السواحل الأميركي بوجود خمس سفن بحثية مرتبطة بالصين تعمل داخل منطقة القطب الشمالي الخاضعة للنفوذ الأميركي أو بالقرب منها، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تكثيف دورياتها في المنطقة، وسبق أن رصد خفر السواحل الأميركي، خلال عام 2024، دورية مشتركة لخفر السواحل الصيني وحرس الحدود الروسي في بحر بيرينغ، في تطور عكس اتساع نطاق التنسيق البحري بين البلدين، ووفقاً للجانب الأميركي، مثّل ذلك أبعد وجود شمالي لخفر السواحل الصيني جرى رصده حتى ذلك الوقت.
حذر
وتشير هذه التطورات إلى أن التعاون الروسي الصيني في المجال البحري لا يقتصر على زيادة حجم التجارة أو خفض كُلفة النقل، بل يمكن أن يمتد إلى بناء قدرات تقنية وتشغيلية ذات أبعاد استراتيجية، فالتعاون في تطوير الموانئ والأنظمة الرقمية وبناء السفن والأبحاث العلمية والملاحة والخدمات اللوجستية قد يُمكن البلدين من إنشاء بنية تحتية بحرية تحقق عوائد اقتصادية في أوقات السلم، وتوفر في الوقت نفسه مزايا استراتيجية في حالات الأزمات.
وفي هذا الإطار، تجد اليابان نفسها أمام أسباب إضافية تدعوها إلى الحذر، في ظل بيئة أمنية إقليمية تتزايد فيها الأنشطة العسكرية الصينية الروسية المحيطة بأراضيها، وهي تطورات سبق أن أعربت طوكيو صراحة عن قلقها إزاءها.
ومن شأن نشوء منظومة بحرية صينية روسية أكثر تكاملاً، تمتد من شنغهاي مروراً بفلاديفوستوك وصولاً إلى منطقة القطب الشمالي، أن يزيد من تعقيد الحسابات الاستراتيجية اليابانية، وتبرز هذه المخاوف بصورة خاصة في المناطق المحيطة ببحر اليابان وجزر الكوريل، وكذلك في الممرات البحرية المؤدية إلى مضيق بيرينغ، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية للقوى الإقليمية والدولية.
مفارقة
وعلى الرغم من أن إسهام روسيا في منظومة بحرية صينية أوسع قد لا ترجح كفة الميزان في مضيق تايوان بحد ذاتها، فإنها قد تدفع الصين إلى الاعتقاد بأن حدوث اضطراب في مسرح عمليات معين لن يؤدي بالضرورة إلى شل تدفقاتها التجارية والطاقة الأوسع نطاقاً.
وتبرز هنا مفارقة أساسية في طبيعة المشروع الروسي الصيني، ففي الوقت الذي يقدم البلدان تعاونهما البحري باعتباره وسيلة لجعل التجارة أقل كُلفة وأكثر أماناً واستقراراً، فإن هذه العملية قد تسهم في الوقت نفسه في تعميق انقسام النظام البحري العالمي إلى شبكات متنافسة، تختلف فيما بينها من حيث التقنيات والمعايير وقنوات التمويل والترتيبات الأمنية.
ومن هذا المنطلق، فإن الجوانب التي قد تبدو أقل إثارة في مقترحات باتروشيف، مثل أتمتة الموانئ، وإنشاء أحواض سفن تعتمد على الأنظمة الرقمية، وتوسيع التعاون البحثي، وتطوير معايير تقنية مشتركة، تُمثّل في الواقع العناصر الأكثر أهمية على المدى الطويل.
فهذه المجالات تُشكّل ركائز أساسية للقوة البحرية في القرن الـ21، حيث لم تعد السيطرة على الممرات البحرية والبنية التحتية المادية وحدها كافية لضمان النفوذ التجاري والاستراتيجي، وأصبحت البرمجيات والبيانات وأنظمة إدارة الموانئ والمعدات الرقمية وشبكات الخدمات اللوجستية عناصر حاسمة في تحديد كفاءة حركة التجارة وقدرة الدول على التحكم في تدفقاتها.
ولا ينبغي للغرب أن يتجاهل هذه المبادرة باعتبارها مجرد تهويل روسي، ولا أن يضخمها لتصويرها ككتلة بحرية صينية - روسية تلوح في الأفق، حيث لاتزال هناك عوائق تجارية كبيرة، كما أن الشحن عبر القطب الشمالي لن يحل محل طرق التجارة بين آسيا وأوروبا في المستقبل القريب.
أدريل كاسنوتا*
*باحث في المخاطر السياسية ومحامٍ مقره في لندن.
عن «أيجا تايمز»
نظام بحري
التوجه نحو استخدام طريق القطب الشمالي أصبح واضحاً، فالصين تمد روسيا برؤوس الأموال والسلع والتكنولوجيا، بينما توفر روسيا للصين ميزة جغرافية استراتيجية، وإذا ما نجح الطرفان في الربط بين هاتين المزيتين بشكل منسجم، فسيوجِدان نظاماً بحرياً موازياً، مصمماً لعصر أصبحت فيه الكفاءة التجارية، والأمن الجيوسياسي وجهين لعملة واحدة.
التعاون الروسي الصيني في الموانئ والممرات القطبية والتكنولوجيا اللوجستية يفتح آفاقاً اقتصادية جديدة، ويثير حسابات واشنطن وطوكيو.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news