بذور الانقسام في الولايات المتحدة تم غرسها منذ فترة طويلة

الاستقطاب العرقي وغياب المساواة وراء ما تشهـــده أميركا

معالجة التمييز العرقي استغرقت وقتاً طويلاً. أرشيفية

لا توجد ديمقراطية صناعية، متقدمة في العالم، أكثر انقساماً سياسياً، أو مختلة سياسياً، من الولايات المتحدة.. اليوم ترى كيف وصلت أقوى دولة في العالم إلى هذه النقطة؟

لم تكن أعمال الشغب في مبنى الكونغرس، قيد الإعداد لسنوات وحسب، بل لعقود. وهذا بسبب ثلاث سمات مميزة للمجتمع الأميركي، تم تجاهلها من قبل السياسيين الأميركيين لفترة طويلة جداً؛ هي: الإرث الدائم للعرق، والطبيعة المتغيرة للرأسمالية، وانقسام مشهدنا الإعلامي الجماعي.

العرق

أبدأ بالعرق، فالولايات المتحدة ليست فريدة من نوعها في وجود تاريخ مضطرب للعلاقات بين الأعراق؛ لكنها كانت بطيئة بشكل خاص في معالجة الإرث الهيكلي لتلك العنصرية، إذ استغرق الأمر نحو قرن بعد نهاية الحرب الأهلية، حتى يتم تمرير قانون الحقوق المدنية لعام 1964، على سبيل المثال لا الحصر. وقد تم اتخاذ خطوات في العقود الأخيرة لبدء معالجة هذا الإرث، بشكل جدي، من قوانين مناهضة للتمييز، إلى جهود العمل الإيجابي. وقد عملت على جلب الأميركيين السود نحو المزيد من التوازن، بل ومهدت الطريق أمام الولايات المتحدة لانتخاب أول رئيس أسود لها. لكن كما أظهرت احتجاجات حركة «حياة السود مهمة»، في الصيف الماضي، أنه لايزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين إنجازه. وهذا جزء فقط من القصة. أما الجزء الآخر، فهو رد الفعل العنيف، إذ ترى مجموعة من الأميركيين البيض (العديد منهم من البيض الريفيين)، أن وضعهم في المجتمع مهدد نتيجة للتركيبة السكانية، والحسابات العرقية الأخيرة. وقد تجلى ذلك في السياسة (انظر مخططات إعادة تقسيم الدوائر وقمع الناخبين)، وكذلك العنف الذي شهدناه في مبنى الكابيتول. وفي حين أن هذا القلق له عناصر اقتصادية، فمن الأفضل فهمه من حيث الهوية الأوسع.

وصلت مشاعر الاستياء هذه إلى ذروتها في سنوات ترامب، بعد فترة ليست بالقصيرة، وبلغت ذروتها في أعمال الشغب المميتة، الأسبوع قبل الماضي. ولكي نكون واضحين، فإن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي يتعين عليها التعامل مع عناصر العنصرية في حركاتها الشعبوية، يمكن للعديد من الدول الأوروبية أن تشهد على ذلك. لكن نظراً للطريقة الهيكلية، التي تم بها نسج العنصرية، في المجتمع الأميركي، جنباً إلى جنب مع سنوات من إهمال المشكلة، فقد أسهمت العلاقات العرقية بقوة في الوضع الحالي للشؤون السياسية الأميركية.

النمط الأميركي

ثم هناك الطبيعة المتطورة للرأسمالية.

إن الرأسمالية والنمو الاقتصادي الذي قادته، هما ما جعلا الولايات المتحدة القوة العظمى البارزة في العالم، في النصف الأخير من القرن العشرين. وولّدت روح المبادرة في الرأسمالية على النمط الأميركي، على وجه الخصوص، أنواع الابتكارات، والنمو، التي تم تصديرها حول العالم، بمساعدة العولمة. وفي الواقع، إن إيمان أميركا الراسخ بالرأسمالية، وتحديداً قوة الفرد، هو السبب الذي دفع أجيالاً من المهاجرين إلى شق طريقهم إلى الولايات المتحدة، لمنح أحلامهم أفضل فرصة للنجاح. وهذا، أيضاً سبب كون هذا البلد اليوم، موطناً للشركات (خصوصاً شركات التكنولوجيا)، التي تعمل على توفير الطاقة لعالمنا الحديث (على الأقل في الغرب).

لكن هناك جانب آخر للرأسمالية على الطريقة الأميركية، هذا النظام الاقتصادي الرأسمالي الفردي يولد كميات هائلة من الثروة، لكنه أدى أيضاً إلى وجود عامل أميركي متوسط، لديه قدر أقل من شبكة الأمان الاجتماعي (خصوصاً بالمقارنة مع نظرائه الأوروبيين)، ناهيك عن أنه نظام سياسي أكثر عرضة للاستيلاء عليه من قبل المصالح الخاصة الممولة.

ومع ذلك، في حين أن الرأسمالية الأميركية سمحت، منذ فترة طويلة، بعدم المساواة في النتائج، فقد شهدنا على نحو متزايد في الـ30 عاماً الماضية ارتفاعاً في عدم تكافؤ الفرص، أيضاً. وهذا الشكل الأخير أكثر تدميراً؛ وعندما يشعر الناس بأنهم لم يحصلوا حتى على فرصة للمنافسة، ناهيك عن النجاح، فإنهم يغضبون.. والوتيرة تتسارع.

وقبل 30 عاماً، عندما تحدثنا عن أولئك الذين خسروا من الرأسمالية، كنا نشير عادةً إلى مجموعة محددة من العمال ذوي الياقات الزرقاء التي خلفتها التجارة الحرة (في عالم معولم، يكون فيه العمال الأميركيون الذين يكسبون أكثر من المتوسط العالمي أقل جاذبية للتوظيف). لكننا الآن نصل إلى النقطة التي تبحث فيها الأتمتة والذكاء الاصطناعي، ببطء، عن إزاحة مجموعة أوسع بكثير من العمال، وعبر الطبقات الاجتماعية والاقتصادية.

كما يظهر صعود سياسيين، مثل بيرني ساندرز، فإن هذا مصدر قلق كبير للناخبين على الجانب الأيسر، من الطيف السياسي، كما هي الحال في اليمين. والنتيجة النهائية هي أن جمهور الناخبين أكثر انقساماً، وهذه الانقسامات تتغذى على الخوف حيال كيفية البقاء، في المستقبل الأميركي، الذي يمنح المحظوظين فرصاً ومزايا أكثر، ويعطي المحرومين مكاسب أقل مما يستحقون، مع احتمالية أقل للانتقال من مجموعة إلى أخرى.

عنصر تخريبي

وهذا يقودنا إلى الإعلام. وقد أحدثت شركات التكنولوجيا، التي تشغل عالمنا الحديث، ثورة في استهلاكنا لوسائل الإعلام. ويسارع الكثيرون إلى توجيه أصابع الاتهام إلى شركات التكنولوجيا، بأنها تقف وراء تفكيك المشهد الإعلامي لدينا، ولكن بعد فوات الأوان.

واتبع تطور وسائل التواصل الاجتماعي مساراً مألوفاً، وكانت محطات الراديو، والأخبار والمدونات، كلها ذات يوم، وسائل إعلام جماهيرية للتواصل. ومع مرور الوقت وطرح المزيد من العروض المتخصصة لتمكين المستهلكين من «الاستمتاع» بوجهات النظر التي تدعم آراءهم، بدأنا نرى الانقسام يحدث بشكل أسرع بكثير مع وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن العنصر التخريبي حقاً، الذي أدخلته شركات التكنولوجيا، هو الخوارزميات - المصممة بنشاط لجذب المزيد من عائدات الإعلانات والاهتمام، وغالباً يتم تحقيق ذلك عن طريق الترويج للمحتوى المتطرف والمضلل.

أميركا تختار البقاء على الهامش

وقد جاء ذلك على حساب مواطن سليم ومستنير. ومقارنة بالبلدان الأوروبية، حيث تواجه منصات التكنولوجيا تشريعات حكومية أكثر صرامة، إذ يجب أن تتحمل مزيداً من المسؤولية عن المحتوى المنشور، فإن الولايات المتحدة لديها مشكلة معينة، نظراً لميلها إلى أن تكون متساهلة في تنظيم القطاع الخاص. لكن حكومة الولايات المتحدة لن تكون قادرة على البقاء على الهامش، لفترة أطول، نظراً للتطورات الأخيرة مع الكثير من الهتافات لقرار «تويتر» و«فيس بوك»، إلغاء منصة ترامب، في أعقاب أعمال الشغب بالكابيتول، فإن ذلك يفتح أسئلة جادة حول من لديه الحق في الحد من كلام الآخرين. وسيتعين على السياسيين الأميركيين أن يحذروا من أن يتنازلوا عن هذه السلطة لرؤساء تنفيذيين تقنيين، غير منتخبين، وهي وصفة لكارثة من نوع آخر.

عوامل أخرى

هناك عوامل أخرى تسهم في الانقسامات السياسية الأميركية، اليوم، لكن بالنسبة لي، هذه العوامل الثلاثة هي الأكثر هيكلية والأكثر أهمية. والأمر الأكثر إثارة للقلق، بغض النظر عما حدث مع جهود العزل الأخيرة، من المقرر أن تزداد هذه الاتجاهات الثلاثة قوة على المدى القريب. وفي ظل غياب المزيد من الجهود الجادة، عبر الطيف السياسي، للتعامل مع هذه القضايا؛ وإجراء التسويات السياسية اللازمة لمعالجتها حقاً، فهذه المشكلات ستزداد سوءاً. ويواجه جو بايدن العديد من التحديات مع توليه منصبه. وعلى الرغم من أن معالجة الوباء قد تكون التحدي الأكثر إلحاحاً، بالنسبة له، فإنه ليس هو الأكثر صعوبة. ويمكن للقاحات أن تقضي على الأوبئة في نهاية المطاف، لكن ليس لدى الأميركيين لقاح فعال لعلاج انقساماتهم السياسية.

• قبل 30 عاماً، عندما تحدثنا عن أولئك الذين خسروا من الرأسمالية، كنا نشير عادةً إلى مجموعة محددة من العمال ذوي الياقات الزرقاء، التي خلفتها التجارة الحرة (في عالم معولم، يكون فيه العمال الأميركيون الذين يكسبون أكثر من المتوسط العالمي أقل جاذبية للتوظيف). لكننا الآن نصل إلى النقطة التي تبحث فيها الأتمتة والذكاء الاصطناعي، ببطء، عن إزاحة مجموعة أوسع بكثير من العمال، وعبر الطبقات الاجتماعية والاقتصادية.

• يواجه جو بايدن العديد من التحديات مع توليه منصبه. وعلى الرغم من أن معالجة الوباء قد تكون التحدي الأكثر إلحاحاً، بالنسبة له، فإنه ليس هو الأكثر صعوبة. ويمكن للقاحات أن تقضي على الأوبئة في نهاية المطاف، لكن ليس لدى الأميركيين لقاح فعال لعلاج انقساماتهم السياسية.

إيان بريمر- كاتب عمود ورئيس مجموعة «أوراسيا»، وهي شركة استشارية للمخاطر السياسية.

طباعة