طرح مشاريع قوانين تزيد من تقييد الحق في الإضراب
رئيس وزراء كندا يواجه صراعاً بين دعم العُمال وإرضاء رؤوس الأموال
العمال هم من سيحتاج إليهم كارني لمواجهة الضغوط الأميركية. رويترز
تتسم أجندة رئيس الحكومة الكندية، مارك كارني، بجوانب مثيرة للاهتمام، فهي أجندة تحمل تناقضات داخلية وتعقيدات تجعل التعامل معها أمراً صعباً، بدلاً من أن تكون مجرد خطة مبهرة أو ملهمة. لقد أدار كارني كل مرحلة حتى الآن بثبات وهدوء غير متوقعين، وهو أمر لافت بالنسبة لشخص من المفترض أنه يفتقر إلى «الحس السياسي»، لكنه يواجه الآن صراعات يصعب الالتفاف عليها. لكن ما هي هذه الصراعات؟
تكمن هذه الصراعات في التناقض بين هدفه المتمثل في تحقيق السيادة، وهو هدف أفترض أنه جاد بشأنه، وبين القوى النافذة وذات النفوذ الواسع التي يتحتم عليه استمالتها وإرضاؤها لتحقيق ذلك الهدف.
ولطالما تمثلت المعضلة الكندية في السؤال التالي: كيف يمكن تحقيق استقلال حقيقي في ظل اقتصاد يعتمد، باستثناءات طفيفة، على تصدير موارد هائلة وثمينة إلى قوى إمبريالية مهيمنة، وهي: الولايات المتحدة؟ إذ تبدو تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن وجوب تحول كندا إلى ولاية أميركية ليست نابعة من غياب التفكير، وإن كانت تعكس فهماً حرفياً وساذجاً للأمور.
ولتغيير هذا الاعتماد المتأصل والراسخ، لابد من تنويع أنماط التجارة، وإعادة بناء الاقتصاد، إلى حد ما من الصفر. وهذا يتطلب رأس مال يجب أن يأتي في معظمه من مصادر خارجية. ومن هنا جاء ذلك المشهد المقيت في الأسبوع الماضي المتمثل في استقطاب مليارديرات ومستثمرين أجانب.
قد لا يبدو هذا منطقياً من الناحية الاقتصادية، لكن ما العمل؟ إنهم يعشقون هذه الصفقات، فالأرباح تعود إليهم، بينما نتحمل نحن المخاطر، على الأقل ضمنياً.
وعند مقارنة ذلك، وإن بدا الأمر غريباً، فالصين قبل 50 عاماً كانت دولة نامية وهشة بكل ما للكلمة من معنى. ثم تحولت نحو الأساليب والأسواق الرأسمالية.
ولقد انتقد أمثالي أولئك الذين سلكوا «طريق الرأسمالية»، لكن لابد من الاعتراف بأنهم حققوا تطوراً هائلاً. ويطمح «كارني» إلى إحداث تحول مماثل، وإن كان على نطاقنا الكندي المحدود، لكنه يفتقر إلى تلك «الدولة البوليسية السلطوية» التي تضمن بقاء العملية تحت السيطرة الوطنية.
وبما أن كندا لا ترغب في أن تكون مثل الصين، ولا تستطيع ذلك أصلاً، فعليها الاعتماد على الدعم الشعبي، لضمان التزام المستثمرين بأهدافنا المتعلقة بالسيادة الوطنية. ومن هنا تأتي تلك القومية الكندية «المتجددة» التي استفاد منها كارني.
لكن الحقيقة هي أن هذه القومية لا تغادر أبداً قاعدتها الشعبية الأساسية المتمثلة في الكنديين العاديين من أبناء الطبقة العاملة، فهؤلاء لا يملكون الوسائل التي تتيح لهم الانصراف إلى وجهات أخرى، ثم العودة للاهتمام بكندا، والانجذاب إليها مجدداً بين حين وآخر.
وهنا تبرز التناقضات، فأصحاب رؤوس الأموال، رغم حبهم للمزايا المجانية، كمشاريع المطارات، إلا أنهم يكرهون العمال المتمردين المنضمين تحت لواء النقابات. ولإرضائهم طرح «كارني» هذا الأسبوع مشاريع قوانين تزيد من تقييد الحق في الإضراب إذا ما اعتبر أنه يضر بـ«المصلحة الوطنية» وهو مصطلح يظل غامضاً ودون تعريف محدد، أو إذا كان للإضراب «تأثير كبير على الاقتصاد الكندي». وكان رد النقابات ساخراً: «حقاً يا عبقري؟ أليس هذا هو جوهر الإضراب وهدفه الأساسي؟».
ولطالما لجأت الحكومات الفيدرالية، لاسيما في عهد رئيس الحكومة السابق جاستن ترودو، إلى سلطة إصدار أوامر للعمال المضربين، بالعودة إلى العمل.
ولكن عندما حاولوا قبل عام إصدار أمر لطاقم الضيافة الجوية في شركة «طيران كندا» بإنهاء إضرابهم، تحدى هؤلاء العمال الأمر ببساطة ونجحوا في ذلك. وهذا بالضبط هو نوع الصمود والإصرار الذي سيحتاج «كارني» إلى استحضاره كلما ازداد الوضع تعقيداً وتوتراً مع الولايات المتحدة.
في الواقع، فإن مغزى الحديث ليس مجرد القول إن أرباب العمل يستغلون العمال، بل التأكيد على أن هؤلاء العمال هم تحديداً من سيحتاج «كارني» إلى دعمهم لمواجهة الضغوط الأميركية، حتى في الوقت الذي يسعى فيه لاستمالة أصحاب رؤوس الأموال الكبار.
قد تتحدث وزيرة العمل، باتي هاجدو، بحماس بالغ عن مدى فائدة هذا التشريع الجديد للعمال، ولكن في ما يصفه المفاوضون المخضرمون «الذين يحملون ندوب معاركهم السابقة» بـ«عالم المفاوضات الجماعية الواقعي»، سيدرك العمال تماماً أي طرف قد خرج بأكبر المكاسب من هذا التشريع، وهم بالتحديد الفئة التي سيحتاج «كارني» إلى وقوفها في صفه بشأن هذه القضية عندما يحل الشتاء. عن «تورونتو ستار»
• كارني يواجه تناقضاً بين هدف تحقيق السيادة، والقوى النافذة وذات النفوذ الواسع التي يتحتم عليه استمالتها وإرضاؤها لتحقيق ذلك الهدف.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news