باحثون صينيون أسهموا في التفوق الأميركي يعودون إلى بلادهم وسط تصاعد التنافس التكنولوجي
واشنطن تخشى خسارة سباق الذكاء الاصطناعي أمام بكين بسبب هجرة الكفاءات
اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مسألة استبعاد الصين من أحدث التقنيات الأميركية ركيزة أساسية في استراتيجيته للفوز بسباق الذكاء الاصطناعي.
لكن، وبينما يستعد لاستقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن، تواجه الولايات المتحدة مشكلة من صنع يديها، حيث إن بعض الباحثين الذين أسهموا في تعزيز تفوق أميركا في مجال الذكاء الاصطناعي، هم في الأصل من الصين.
ومن المقرر أن يصل شي إلى البيت الأبيض في 24 سبتمبر في زيارة رسمية، ستكون قضايا الذكاء الاصطناعي من بين أبرز محاورها.
وقد أمضت واشنطن وبكين أسابيع في مناقشة ما إذا كان ينبغي دمج «الحوار الحكومي المشترك حول الذكاء الاصطناعي»، الذي تأجل طويلاً، وكان قد تم إقراره خلال اجتماع الزعيمين في العاصمة الصينية بكين في مايو الماضي، ضمن جلسة اقتصادية أوسع نطاقاً تنعقد في الأيام التي تسبق الزيارة.
ووصف ترامب المنافسة في هذا المجال بمصطلحات حاسمة، معتبراً أن فرض قيود تنظيمية على هذه التكنولوجيا سيصب في مصلحة بكين.
ويعتمد هذا التفوق بشكل كبير على كفاءات ومواهب من أصول أجنبية، حيث تعد الصين واحدة من الدول التي تسعى إلى استعادة بعض هذه الكفاءات.
أسباب العودة
وتم تعيين الباحث ياو شونيو - الذي تلقى تدريبه في جامعتي «تسينغوا» و«برينستون» وغادر شركة «أوبن إيه آي» عام 2025 للانضمام إلى شركة «تبنسنت» الصينية - في منصب كبير علماء الذكاء الاصطناعي بالشركة بعد ثلاثة أشهر فقط من انضمامه إليها. ويعمل حالياً على الدفع باتجاه بناء قدرات بحثية صينية، خصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل.
وهناك مثال آخر هو الباحث يانغ تشيلينو، الذي أتم دراسته الجامعية في جامعة «تسينغهوا» عام 2015، وحصل على الدكتوراه من جامعة «كارنيجي ميلون»، ثم عاد إلى الصين عام 2023 لتأسيس شركة «مونشوت آي» ومنذ ذلك الحين جمعت الشركة أكثر من مليار دولار وأطلقت سلسلة نماذج «كيمي» التي تعد الآن من أقوى النماذج مفتوحة المصدر، حيث تعتمد شركات ناشئة أميركية على نموذج «كيمي» و«كوين» التابع لشركة «علي بابا» نظراً لمزايا الكلفة والأداء.
ولقد سبقت خطوات كهذه، سنوات من التوترات والاحتكاك، حيث يصف تقرير صادر عن «مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي» أعده الباحث الأول مات شيهان، ومساعدته صوفي تشوانغ، حالة عدم اليقين بشأن التأشيرات، والاتهامات القانونية التي سقطت لاحقاً، وشعوراً عاماً بالريبة، باعتبارها ظروفاً تراكمت بعد عام 2018.
وكتب كل من شيهان وتشوانغ: «تتنوع أسباب عودة أي باحث إلى وطنه، وغالباً ما تكون أسباباً شخصية، لكن الاضطرابات الجيوسياسية الأخيرة خلقت عقبات وضغوطاً جديدة أمام الباحثين الصينيين الراغبين في البقاء بالولايات المتحدة».
تحدٍّ متزايد
وقد تتبعت مؤسسة «كارنيجي» مسيرة 100 من كبار الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي من أصول صينية كانوا يعملون في مؤسسات أميركية عام 2019، ووجدت أن 10 منهم انتقلوا للعمل في شركات أو جامعات صينية بحلول عام 2025.
ولم يكن هؤلاء الـ10 شخصيات مغمورة، فقد أسس اثنان منهم شركات ناشئة، فيما تولى اثنان آخران مناصب قيادية في شركات تكنولوجيا صينية، بينما أصبح خمسة منهم أساتذة في جامعات صينية مرموقة.
وأشار تقرير «كارنيجي» إلى أن معدلات الاحتفاظ بالباحثين ظلت مرتفعة، حيث بقي 87 من أصل 100 باحث في مؤسسات أميركية، وانتقل ثلاثة إلى مؤسسات خارج الولايات المتحدة.
وأوضح أن من بين من بقوا، يعمل 41 باحثاً في شركات أميركية، ويشغل 40 منهم مناصب أكاديمية «أساتذة» في جامعات أميركية، بينما يكمل ستة منهم دراسات الدكتوراه أو برامج ما بعد الدكتوراه.
وتُعد عملية استقطاب الدفعة التالية من الباحثين تحدياً متزايد الصعوبة بالنسبة للولايات المتحدة، حيث بدأت الأرقام المتعلقة بالوجهات النهائية لأبرز الباحثين في التغير.
عقبات متراكمة
من جهته، وجد معهد «بولسون» الذي أعد مجموعة البيانات التي حدثتها لاحقاً مؤسسة «كارنيجي»، أن الباحثين الحاصلين على درجاتهم الجامعية الأولى من الصين شكّلوا 47% من عينة شملت نخبة مؤلفي الأبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي عام 2022، وذلك بعد أن كانت 29% في عام 2019.
وفي الفترة ذاتها، انخفضت نسبة هؤلاء الباحثين العاملين في مؤسسات أميركية من 59% إلى 42%، بينما ارتفعت نسبتهم في الصين من 11% إلى 28%.
وتستعرض «كارنيجي» العقبات المتراكمة التي أدت إلى هذا التحول، فقد أثارت القيود المقترحة على التأشيرات، والتي بدأت عام 2018، وتضمنت نقاشات علنية حول حظر دخول الطلاب الصينيين تماماً، حالة من عدم اليقين لدى الباحثين بشأن إمكانية إكمال دراستهم والبقاء للعمل.
اتهامات رسمية
وتصدّرت أخبار توجيه اتهامات رسمية لباحثين صينيين عناوين الصحف، لكن تلك القضايا انهارت في كثير من الحالات.
ووفقاً لاستطلاع أجري عام 2021 شمل باحثين جامعيين من أصول صينية، أفاد 42% منهم بأنهم شعروا بأنهم مستهدفون على أساس عرقي من قبل الحكومة الأميركية.
وتجري عمليات رصد لأعداد المغادرين، حيث أحصى باحثون في جامعة «برينستون» مغادرة نحو 50 أكاديمياً من أصول صينية، ممن يشغلون مناصب تؤهلهم للحصول على التثبيت الوظيفي في الجامعات الأميركية، متوجهين إلى الصين خلال النصف الأول من عام 2025، وذلك يضاف إلى أكثر من 850 باحثاً غادروا منذ عام 2011.
وكشف بحث صادر عن مركز «ستانفورد لاقتصاد ومؤسسات الصين» والتي حللت بيانات 1.2 مليون أكاديمي في الفترة من 2003 إلى 2022، أن العدد السنوي للعلماء من أصول صينية الذين نقلوا تبعيتهم المهنية إلى الصين قد ارتفع من 31 إلى 1409 علماء خلال تلك الفترة.
وقد طال هذا النمط أيضاً نخبة من الباحثين غير الصينيين، فعلى سبيل المثال، غادر عمر ياغي، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء والمولود في الأردن، منصبه الأكاديمي في جامعة «كاليفورنيا، بيركلي»، لينتقل إلى جامعة تسينغهوا، حيث سيتولى رئاسة معهد متخصص في استخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف مواد جديدة.
حرب دعائية
وكتب وزير أمن الدولة الصيني، تشن يي تشين، أخيراً أن نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية تعمل كأداة لـ«حرب دعائية وحرب إدراكية» ضد بلاده.
وفي الأسبوع الماضي، صرحت وزارة الخارجية الصينية، وفقاً لما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية، بأن تصوير هذه التكنولوجيا في إطار التهديد والمواجهة لا يخدم جهود الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.
وأبدى المسؤولون الأميركيون صراحة مماثلة بشأن حجم الرهانات، حيث قال وزير الخزانة، سكوت بيسنت، في فعالية أقيمت بواشنطن هذا الشهر: «لن يكون هناك (يوم بعد غد) إذا فازت الصين في هذا المجال».
بدوره، قال الأستاذ في جامعة «نافتس» ومؤلف كتاب «حرب الرقائق» في حديثه لمجلة «نيوزويك»: «أعتقد أن الفوز يعني أولاً امتلاك أكثر شركات الذكاء الاصطناعي تطوراً، وهو ما تتمتع به الولايات المتحدة حالياً».
أما المحلل السابق في وزارة الخارجية، ووكالة الاستخبارات المركزية ديفيد لين، ويعمل حالياً في «مشروع الدراسات التنافسية الخاصة»، فقد وضع معياراً مختلفاً للاختبار، يتمثل في مدى قدرة الدولة الأميركية على تحويل القدرات التقنية إلى مكاسب في الإنتاجية، واكتشافات علمية، وخدمات عامة فعالة. جيسوس ميسا* *مراسل في «نيوزويك» عن «نيوزويك»
مسارات مهنية
دعا تقرير «مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي»، إلى الاستثمار في المدارس الثانوية الأميركية، وتوفير منح بحثية وضمانات واضحة بشأن التأشيرات لطلاب الدراسات العليا، وتهيئة ظروف تجعل أفضل باحثي الذكاء الاصطناعي في العالم، بمن فيهم الصينيون، يرغبون في بناء مساراتهم المهنية داخل الولايات المتحدة.
• 10 من أبرز الباحثين انتقلوا من أميركا للعمل في شركات أو جامعات صينية خلال 6 سنوات.
• قيود التأشيرات والشكوك الأمنية تدفع بعض الباحثين الصينيين إلى العودة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news