تراجع التبادل الأكاديمي يهدد بتوسيع فجوة الفهم بين البلدين

التعليم والتواصل الشبابي فرصة لاستقرار العلاقات الأميركية الصينية

مواقف الأجيال الشابة الأميركية قد تعكس قدراً من الاستعداد لرؤية الصين من زوايا مختلفة. من المصدر

عندما يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره الصيني شي جين بينغ في شنغن الصينية الشهر المقبل، ثم في ميامي الأميركية في ديسمبر اللاحق، ستتجه الأنظار إلى ما يمكن أن تحققه هذه اللقاءات من تقدم في ملفات التجارة والتكنولوجيا والأمن وغيرها من القضايا الخلافية. ورغم أهمية هذه الدبلوماسية رفيعة المستوى، فإن مستقبل العلاقات بين البلدين يعتمد أيضاً على عامل أقل ظهوراً، يتمثل في قدرة الشعبين، لاسيما الأجيال الشابة، على فهم بعضهما بعضاً وبناء جسور التواصل بينهما.

وفي وقت تتصاعد فيه المنافسة الاستراتيجية بين واشنطن وبكين، تواجه التبادلات الأكاديمية وفرص التواصل المباشر بين مواطني البلدين ضغوطاً متزايدة.

ولم تعد هذه المسألة شأناً تعليمياً محدوداً، بل باتت تمس قدرة الولايات المتحدة على فهم الصين، وتضعف، بصورة تدريجية، أحد العوامل التي يمكن أن تسهم في الحفاظ على استقرار العلاقات الثنائية.

ويبرز التراجع الحاد في أعداد الطلاب الأميركيين الذين يدرسون في الصين بوصفه مؤشراً واضحاً على هذه التحديات. فبحسب السفير الأميركي السابق نيكولاس بيرنز، بلغ عددهم ذروته عند نحو 15 ألف طالب في عام 2011، قبل أن يهبط إلى 211 طالباً خلال جائحة «كوفيد-19».

ورغم التعافي الجزئي، لم يتجاوز العدد نحو 880 طالباً بحلول عام 2024. وبينما أسهمت الجائحة في هذا الانخفاض، جعل تدهور العلاقات السياسية بين البلدين استعادة مستويات التبادل السابقة أكثر صعوبة.

الأمن القومي

وتزداد الصورة تعقيداً مع تصاعد المخاوف المرتبطة بالأمن القومي، فقد أدت «مبادرة الصين» التي أطلقتها وزارة العدل الأميركية عام 2018، قبل إنهائها لاحقاً، إلى تشديد التدقيق في أنشطة الباحثين الذين تربطهم صلات بالصين، وأثارت مخاوف بشأن احتمال استهداف أفراد على أساس عرقي. كما أسهمت التحقيقات التشريعية الأخيرة والقيود المفروضة على التمويل في زيادة حالة الغموض التي تحيط بالتعاون الأكاديمي بين الجامعات الأميركية والصينية.

ولا تقتصر آثار هذا التراجع على المؤسسات التعليمية، حيث تخاطر الولايات المتحدة بفقدان جيل من المتخصصين القادرين على فهم المجتمع الصيني وسياساته وتوجهاته الاستراتيجية، في وقت تتزايد فيه أهمية هذه المعرفة. وكان مجلس العلاقات الخارجية، حذر في تحليل نشره خلال سبتمبر، من تراجع قدرة الولايات المتحدة على إعداد خبراء في الشؤون الصينية، بالتزامن مع تنامي الحاجة إليهم.

وفي المقابل، يواجه الطلاب والباحثون الصينيون تحديات مماثلة، في ظل تنامي المخاوف من أن يصبح التعاون مع المؤسسات الأميركية مصدراً للتعقيدات السياسية والقانونية. وفي هذا السياق، فتحت إدارة ترامب خلال الشهر الجاري تحقيقات مع تسع جامعات أميركية، من بينها «هارفارد» و«ييل» و«معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، بشأن مزاعم تتعلق بالاحتيال في التأشيرات، وسط مخاوف رسمية مرتبطة بباحثين صينيين والحكومة الصينية.

مؤشرات إيجابية

ومع ذلك، لا تخلو الصورة من مؤشرات إيجابية توحي بإمكانية الحفاظ على قنوات التواصل بين المجتمعين، ففي القمة الأخيرة بواشنطن، أعلن الرئيس الصيني خطة لدعوة 100 ألف شاب أميركي لزيارة الصين خلال السنوات الخمس المقبلة. وتمثل المبادرة توسعاً لبرنامج أُطلق في نوفمبر 2023، بهدف استقدام 50 ألف شاب أميركي إلى البر الرئيس الصيني، وهو هدف قال مسؤولون صينيون إنه تحقق قبل الموعد المحدد بنحو عامين ونصف العام.

ويعكس استمرار هذه المبادرات وجود اهتمام بالتواصل المباشر بين الشباب في البلدين، رغم الصعوبات التي تواجه العلاقات الرسمية. كما لاتزال البرامج الأكاديمية المشتركة تستقطب اهتماماً ملحوظاً، حيث سجل برنامج «شوارتزمان للمنح الدراسية» في جامعة «تسينغهوا» وجامعة «ديوك كونشان» أعداداً قياسية من طلبات الالتحاق خلال العام الجاري، فيما استقبلت الجامعة الأخيرة في أغسطس الماضي الدفعة الأكثر تنوعاً في تاريخها.

وتؤكد هذه التجارب أن التعليم الدولي لا يفقد أهميته في أوقات الخلاف السياسي، بل قد يصبح أكثر ضرورة، لما يتيحه من فرص للتفاعل المباشر وتبادل الخبرات وتجاوز الأحكام المسبقة.

انفتاح الصين

كذلك، أسهم انفتاح الصين بدرجة أكبر أمام الزوار الدوليين في توفير فرص إضافية للتواصل، مع تسهيل دخول مواطني العديد من الدول، بمن فيهم الأميركيون المؤهلون، بموجب ترتيبات الإعفاء من التأشيرة المعمول بها. وأتاحت منصات التواصل الاجتماعي للشباب الذين يزورون الصين نقل تجاربهم الشخصية إلى جمهور أوسع، وتقديم صور عن المجتمع الصيني قد تختلف عن التصورات النمطية السائدة في بلدانهم.

وقد تعكس مواقف الأجيال الشابة الأميركية قدراً من الاستعداد لرؤية الصين من زوايا مختلفة. وأظهر استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث في سبتمبر أن الأميركيين دون سن الـ50 ينظرون إلى الصين بإيجابية أكثر مقارنة بالفئات العمرية الأكبر سناً، رغم استمرار غلبة النظرة السلبية إجمالاً.

فرصة

فبالنسبة إلى كثير من الخبراء الأميركيين المخضرمين في الشؤون الصينية، تبلورت رؤيتهم خلال مرحلة الانفتاح التي شهدتها الصين في عهد دينغ شياو بينغ، عندما ساد في الغرب اعتقاد بأن الاندماج الاقتصادي مع العالم قد يقود تدريجياً إلى انفتاح سياسي. لكن المسار الذي اتخذته الصين لاحقاً خالف جانباً من تلك التوقعات، ما أسهم في تعميق خيبة الأمل وتراجع الثقة لدى قطاعات من النخب التقليدية.

ولا يعني ذلك أن خبرات الأجيال الأكبر سناً فقدت قيمتها، أو أن الشباب سيتمكنون تلقائياً من تجاوز الخلافات، بل إن كل جيل يحتاج إلى فرصة للتعرف إلى الصين وفق واقعها الراهن، بعيداً عن الافتراضات الموروثة والصور النمطية، لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب مسؤولية مشتركة من بكين وواشنطن.   بيتر تشانغ* *باحث في جمعية الصداقة الماليزية الصينية. عن «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»

• بكين تعتزم دعوة 100 ألف شاب أميركي لزيارة الصين خلال السنوات الخمس المقبلة.

تويتر