التعويل على الولايات لتحقيق بعض الأهداف المطلوبة

بايدن لن يتمكن من حل مشكلات أميركا الكبيرة

صورة

كما يقول المراقبون السياسيون فإنه من الصعب التغلب على «فيلادلفيا انكوايرر» وهي صحيفة المدينة التي قضت على محاولة الرئيس دونالد ترامب لإعادة انتخابه مرة ثانية. وقالت الصحيفة «الأمر الذي بدأ قبل خمس سنوات بإعلان مخصص لمحطات التلفزة، والمتعلق بالطموحات الرئاسية لترامب من على درج كهربائي في فندقه الفخم بمانهاتن في نيويورك، انتهى مع محاميه العجوز وهو يصرخ بكلام عن نظريات المؤامرة واللجوء إلى القضاء». وخلال الفترة المتبقية له في البيت الأبيض، سيواصل الرئيس ترامب جذب انتباه الكثيرين إلى قدرته على ممارسة السلطة، وهذا الأمر سيكون أكثر أهمية من مجرد كبرياء ترامب الجريح، وإنما المقصود به: ما الذي يمكن أن يكون بايدن قادراً على فعله حال دخوله إلى البيت الأبيض في العشرين من يناير المقبل؟

المهمة الأولى

بالنظر إلى النجاح الذي حققته شركة «فايزر» الأميركية في صنع اللقاح ضد فيروس كورونا، فإن ذلك يعني أن المهمة الأولى للإدارة الجديدة ستكون تلقيح أكبر عدد ممكن من الأميركيين، ويشكل هذا النجاح هنا دعماً كبيراً للرئيس المقبل، وبعد ذلك سيواجه المقاومة، إذ إن النظام السياسي الأميركي يتمثل في مراكز قوى متنافسة في ما بينها. وعلى الرغم من أن منصب الرئاسة يتمتع بجل الاهتمام، لكنه من الناحية النظرية يتساوى مع الكونغرس، ونظراً إلى أنه من النادر جداً صنع قرارات بإجماع الحزبين، فإن أي رئيس لا يتمتع بالأغلبية في الكونغرس لن يتمكن من إنجاز الكثير على المستوى المحلي.

وعندما يقوم الكونغرس بإحباط قرارات الرؤساء، يميل هؤلاء إلى الحكم عن طريق المراسيم، الأمر الذي يوسع الحدود القانونية للسلطة التنفيذية، وهذا يشكل مخاطرة بتجاوز مركز ثالث في السلطة هي المحكمة العليا ذات الأغلبية المحافظة، الأمر الذي يمثل وصفة من أجل شل الحكومة الفيدرالية. وإذا حافظ الجمهوريون على الغالبية في الكونغرس، فإن المهام الأساسية للحكومة مثل إصدار الميزانية أو رفع سقف الديون سيكون أمراً صعباً، وأما في ما يتعلق بالخطط الرامية إلى إجراء تغييرات طموحة، فسيتم تأجيلها في الوقت الحالي.

3 مجالات

وسيكون ذلك ملحوظاً في ثلاثة مجالات بصورة خاصة هي: البيئة، والرعاية الصحية، والهجرة. وسيعيد الرئيس المنتخب بايدن انضمام الولايات المتحدة الى اتفاقية باريس للمناخ في يناير المقبل، ولكن ذلك لن يؤدي إلى فرض قيود جديدة ذات أهمية على انبعاثات الكربون الأميركية، وحتى في ظل الرئيس ترامب، المتحمس جداً للوقود الأحفوري، انخفضت الانبعاثات الكربونية في أميركا إلى حد كبير، بفضل التحول من استخدام الفحم إلى الغاز لإنتاج الكهرباء وزيادة الطاقة المتجددة، وبناء عليه فإن إعادة الانضمام إلى اتفاقية باريس لن تلزم الولايات المتحدة بالقيام بأمور مختلفة كثيراً عما تفعله الآن على المدى القصير، وأما بالنسبة للمدى البعيد فإن بايدن لن يكون قادراً على إصدار قانون يلزم الدولة بتقليل انبعاثات الكربون في الدولة إلى الصفر بحلول عام 2050، في ظل وجود كونغرس منقسم، كما أنه لن يكون قادراً على إنفاق الكثير على التقنيات الصديقة للبيئة، التي تعهد بها خلال حملته الانتخابية.

قيود

وسيواجه الرئيس الجديد قيوداً مشابهة على الرعاية الصحية، وقد تزايد تعداد الأميركيين غير المشمولين بالتأمين الصحي خلال إدارة الرئيس ترامب من 26 مليوناً عام 2016 إلى 29 مليوناً حالياً. وتعهد الرئيس المنتخب بايدن بتعديل قانون الرعاية الصحية الذي وقعه الرئيس السابق باراك أوباما في عام 2009، بحيث يجعل جميع الأميركيين مشمولين بالضمان الصحي كما هي الحال في الدول الأخرى الغنية، منذ زمن بعيد، ولكن هذا لن يحدث إذ إن إدارته لن تعمل على تقويض قانون «أوباماكير» بصورة كبيرة، وإنما سيكون هناك تعديلات هامشية.

وينطبق الأمر ذاته على الهجرة، إذ إن بايدن سينجز التغيرات التي يستطيع الرؤساء القيام بها من خلال مراسيم رئاسية، سيكون لبعضها قوة رمزية. وعلى سبيل المثال، في ظل حكم الرئيس ترامب خفضت أميركا أعداد اللاجئين الذين يتم قبولهم سنوياً من 100 ألف إلى 25 ألفاً في عام 2019، قبل جائحة كورونا. وفي ظل حكم بايدن، ستظل أميركا مرة أخرى أكثر سخاء بالنسبة للاجئين من الدول الغنية الأخرى، وسيكون من السهل بالنسبة للعمال المهرة دخول الولايات المتحدة، لكن أكبر المشكلات التي تعانيها الهجرة إلى الولايات المتحدة، هي وجود نحو 11 مليون مهاجر غير شرعي، ولم يتم تعديل أوضاعهم حتى الآن. وتعتبر هذه المشكلة إرثاً لعالم ما قبل أحداث 11 سبتمبر، عندما كانت الحدود الجنوبية للدولة سهلة العبور.

وثمة طريقتان لحل هذه المشكلة، إما عن طريق ترحيل الملايين من الناس سنوياً، وهو غير عملي بالنظر إلى أن بعض هؤلاء يقيمون في الولايات المتحدة منذ نحو ثلاثة عقود، ولهذا فإنه سيكون حلاً قاسياً جداً، أو السماح لمعظمهم بأن يصبحوا مواطنين ذات يوم، وهو الأمر الذي لن يحدث طالما كان الجمهوريون يسيطرون على الكونغرس. والنتيجة أن عدداً من الأشخاص يعادل تعداد سكان ولايتي جورجيا أو كارولينا الشمالية، سيظلون في الولايات المتحدة لنحو نصف قرن من الزمن، دون أن يكون لديهم الحق في العيش أو التصويت فيها.

مركز رابع للسلطة

وفي هذه المجالات الثلاثة كلها وأخرى غيرها، سيتحول التغيير إلى مركز رابع للسلطة هو الولايات الاميركية، وهنا ثمة سبب يدعو للتفاؤل، إذ لا يمكن لأميركا أن تكون غير قادرة على طرح خطة فيدرالية تتعلق بتغير المناخ تتمتع بالتأثير المطلوب، ولكن كاليفورنيا وولايات أخرى تتشابه معها من حيث المبادئ، يمكن أن تقوم بذلك وحدها دون تنسيق مع واشنطن، وحاولت إدارة ترامب منع حدوث ذلك عن طريق محاولة وقف كاليفورنيا عن تبني معايير انبعاث صارمة للسيارات التي يتم بيعها في الولاية. وبصورة مشابهة، فعن طريق عدم الوقوف في وجه مثل هذه المبادرات، فإن إدارة بايدن يمكن أن تشجع الآخرين من أجل سلوك الطريق ذاته.

جون بريديو مراسل «الإيكونومست» في الولايات المتحدة


حرية العمل

بالنسبة للرعاية الصحية، فإن الولايات تمتلك الكثير من حرية العمل، وعلى الرغم من أن ترامب كان يعد ولا يفي بوعده، فإن الولايات ذات الأغلبية الجمهورية عمدت إلى تغطية مزيد من الأشخاص بالضمان الصحي (ولايات مثل أوتاوا، وإيداهو، ونبراسكا، جميعها فعلت هذا الأمر) كبديل عن «أوباماكير» وأما الولايات التي لديها تعداد سكان كبير من المهاجرين غير الشرعيين، فيمكن أن تتعامل معهم باعتبارهم غير موجودين حتى وإن كانت الحكومة الفيدرالية لا تتعامل كذلك.

وستكون رئاسة بايدن مختلفة عن رئاسة ترامب بالنسبة للأميركيين ولبقية العالم بأسره، حيث ستكون السياسة أقل من كونها تهديداً وجودياً للجميع، لكن ذلك لن يكون نتيجة قيام بايدن بحل المشكلات الكبيرة للدولة، ففي السياسة المحلية على الأقل، فإن واشنطن ستكون عقبة، وإذا تمكنت أميركا من إحداث التطور في السنوات الأربع المقبلة، فسيتم ذلك في الولايات.

ستكون رئاسة بايدن مختلفة عن رئاسة ترامب بالنسبة للأميركيين ولبقية العالم بأسره، حيث ستكون السياسة أقل من كونها تهديداً وجودياً للجميع.

عندما يقوم الكونغرس بإحباط قرارات الرؤساء، يميل هؤلاء إلى الحكم عن طريق المراسيم، الأمر الذي يوسع الحدود القانونية للسلطة التنفيذية. وهذا يشكل مخاطرة بتجاوز مركز ثالث في السلطة هي المحكمة العليا ذات الأغلبية المحافظة، الأمر الذي يمثل وصفة من أجل شل الحكومة الفيدرالية.

طباعة