تحالف أمني من 19 دولة ينتقل من إعلان سياسي إلى تعاون عملياتي.. ومستقبله بيد الكونغرس
«درع الأميركتين» يختبر نفوذ واشنطن في مواجهة «الكارتلات»
عند إعلان التحالف بدا الأمر كأنه مجرد تسمية جذابة وفرصة لقادة من الأميركتين لالتقاط الصور مع ترامب. رويترز
عندما وقّع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إعلان «درع الأميركتين»، في نادي الغولف الخاص به بمدينة دورال، يوم السابع من مارس الماضي، كان الإعلان، الذي جاء في نص قصير مؤلف من أربع نقاط، أقرب إلى إعلان نوايا من إطار مؤسسي متكامل.
وعلى الرغم من أن وزراء الدفاع في دول لاتينية كانوا قد اجتمعوا قبل ذلك بيومين مع نظيرهم الأميركي، بيت هيغسيث، فإن مبادرة «درع الأميركتين» لم تكن تمتلك آنذاك ميزانية مخصصة، ولا أمانة عامة دائمة، ولا آلية محددة لتسوية النزاعات، وبدا الأمر في جوهره كأنه مجرد تسمية جذابة وفرصة لالتقاط الصور التي تجمع قادة المنطقة بالرئيس ترامب، لكن بعد مرور نحو ستة أشهر، بدأت المبادرة تكتسب مضموناً أكثر واقعية ووضوحاً، وأصبحت تُعرف حالياً باسم «تحالف الأميركتين لمكافحة الكارتلات»، وهو تحالف يضم 19 دولة عضواً تتقارب في ما بينها من الناحية الأيديولوجية، ولهذا السبب لا تضم قائمة أعضاء التحالف كلاً من البرازيل والمكسيك، رغم أن المكسيك تُمثّل الطريق البري الرئيس الذي تدخل عبره المخدرات إلى الولايات المتحدة.
تعامل بجدية
عقد التحالف، بقيادة هيغسيث، منتديين وزاريين بالفعل، ومن المقرر أن يوافق على خطة عمل في نوفمبر المقبل، وخلال الاجتماع الذي عُقد في بنما، خلال أغسطس الماضي، عرضت دول عدة تولي قيادة الجهود على المستوى دون الإقليمي، وكذلك رئاسة العمليات التي تستهدف شبكات إجرامية بعينها، ما يعكس أن الدول المشاركة بدأت تتعامل مع المبادرة بجدية أكبر، ولم تعد تنظر إليها باعتبارها مجرد إعلان سياسي.
وعلى المستوى العملياتي، تضفي قيادة القيادة الجنوبية الأميركية قدراً كبيراً من المصداقية على المبادرة، حيث كانت هذه القيادة تُمثّل الجهة العسكرية الأميركية المسؤولة عن المنطقة على مدى عقود، بما في ذلك في مجالات إجراء التدريبات المشتركة، وتعزيز الثقة، والتنسيق العملياتي بين القوات المختلفة.
وفي الرابع من أغسطس الماضي، فعّلت القيادة الجنوبية «قوة المهام المشتركة لنصف الكرة الغربي»، وهي قوة وصفها قائدها، الجنرال فرانسيس دونوفان، بأنها «الذراع التنفيذية للقيادة»، كما جرى تعيين الجنرال كيفن جارارد، الذي تولى قيادة الاستجابة الأميركية عقب أحداث يونيو في فنزويلا، مسؤولاً عن هذه القوة.
هيكل جديد
وفي الوقت الذي كانت «عملية الرمح الجنوبي»، التي سبقت القوة الجديدة وحلّت محلها، تركز على حملة اعتراض بحرية، فإن الهيكل الجديد يتمتع بإمكانية التوسع، ليشمل عمليات برية أيضاً، الأمر الذي قد يمنح المبادرة نطاقاً أوسع في مواجهة شبكات الجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع في الأميركتين.
وفي هذا السياق، سيكون ما يُعرف بـ«المثلث الشمالي» عاملاً أساسياً في نجاح المبادرة، فهندوراس والسلفادور وغواتيمالا، وهي دول أعضاء في «تحالف مكافحة الكارتلات» تعاني بشكل مباشر مشكلة الهياكل الإجرامية العابرة للحدود، ولديها خبرة واسعة في التعامل مع الشبكات الإجرامية التي تمتد أنشطتها عبر أكثر من دولة.
وتستحق الحالة الهندوراسية اهتماماً خاصاً في هذا الإطار، فقد كانت هندوراس، باعتبارها إحدى الدول المؤسسة لإعلان مارس، ممراً لوجستياً مهماً لعمليات تهريب المخدرات المتجهة شمالاً، وازدادت أهمية هذا الدور منذ أن أدت الحملة الناجحة التي شنها الرئيس السلفادوري نجيب بوكيلة، ضد العصابات الإجرامية إلى دفع جزء من أنشطتها باتجاه الدولة المجاورة.
ومن هنا، ستكتسب القيادة التي تتولى تنسيق الجهود الأمنية في أميركا الوسطى أهمية بالغة في مواجهة هذه الشبكات العابرة للحدود.
قائد التحالف
أما في أميركا الجنوبية، فتُعدّ كولومبيا القائد الطبيعي لهذا التحالف، وقد انضمت إليه أخيراً مع وصول أبيلاردو دي لا إسبرييلا إلى السلطة، وتمتلك كولومبيا خبرة طويلة في التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، حيث عملت قوات الأمن الكولومبية إلى جانب القوات الأميركية لأكثر من ربع قرن، منذ إطلاق «خطة كولومبيا» في عهد الرئيس أندريس باسترانا.
وبفضل هذه الخطة، تمكنت بوغوتا وواشنطن، منذ عام 2000 وما بعده، من بناء علاقة مؤسسية بين قوات الأمن في البلدين استمرت رغم تعاقب حكومات عدة، وتغيّر القيادات السياسية في كلّ من العاصمة الكولومبية والعاصمة الأميركية، وأتاح هذا الأساس لاحقاً للرئيس الكولومبي، ألفارو أوريبي، الذي حكم البلاد بين عامَي 2002 و2010، تحقيق انتصار عسكري على القوات المسلحة الثورية الكولومبية «فارك»، التي كانت في ذلك الوقت أكبر جماعة حرب عصابات في نصف الكرة الغربي، كما أسهمت هذه التطورات في الوصول إلى اتفاق السلام لعام 2016، الذي وقّعه الرئيس، خوان مانويل سانتوس، الذي كان قد شغل في عهد أوريبي منصب وزير الدفاع.
وأدى نحو 20 عاماً من الاستمرارية في التعاون الأمني، عبر ثلاثة رؤساء مختلفين في كلّ من الولايات المتحدة وكولومبيا، إلى جعل «خطة كولومبيا» أعمق مبادرة أمنية شهدتها الأميركيتان خلال الفترة الأخيرة.
كما رسخت الخطة مكانة كولومبيا باعتبارها أقرب شريك أمني لواشنطن في المنطقة، وأسهمت في الوقت نفسه في توفير نموذج يمكن الاستناد إليه عند بناء التحالف الجديد لمكافحة الكارتلات.
التشريعات والميزانية
ومع ذلك، فإن مبادرة «درع الأميركتين» ستحتاج إلى توخي الحذر بشكل خاص في مجالين رئيسين، أولاً سيكون من الضروري أن تتوافق العمليات المشتركة مع التشريعات والقوانين الوطنية المعمول بها في كل دولة مشاركة، ومن المتوقع أن تشهد الدول المعنية نقاشات سياسية وقانونية مكثّفة حول طبيعة هذه العمليات وحدودها، إلا أن وجود هذه النقاشات لا يعني بالضرورة استحالة بناء إطار عمل فعّال وقابل للتطبيق، بل إن التحدي يتمثّل في إيجاد صيغة تسمح بالتعاون الأمني والعسكري مع احترام القوانين والسيادة الوطنية لكل دولة.
أما المجال الثاني، فيتعلق بالميزانية والموارد المالية، ويُشكّل المبلغ الذي أُعلن عن تخصيصه لكولومبيا، والبالغ مليار دولار، مثالاً واضحاً على الدور الذي تريد واشنطن أن تمنحه للمنطقة في إطار هذه المبادرة، إلا أن الموارد المطلوبة لكولومبيا وغيرها من الدول المشاركة ستحتاج إلى موافقة الكونغرس الأميركي.
ولا يبدو من الممكن معالجة هذا الملف قبل الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في الثالث من نوفمبر المقبل، وذلك لأسباب عدة، من بينها أن برنامج «درع الأميركتين» نفسه لن يكون جاهزاً بصورة كاملة قبل ذلك الشهر، فضلاً عن أن البيت الأبيض يواجه في الوقت نفسه عدداً كبيراً من الملفات والقضايا الأخرى المطروحة للنقاش داخل الكونغرس، لذلك ستجري عملية إقرار هذه الموارد في ظل الكونغرس الجديد الذي سيتم انتخابه في نوفمبر.
تغيّر المشهد
وهنا يمكن أن يتغيّر المشهد السياسي بصورة كبيرة، ففي الوقت الحالي يسيطر الجمهوريون على البيت الأبيض ومجلس النواب ومجلس الشيوخ، لكن لا يوجد شيء محسوم بصورة نهائية، ويرى عدد من المحللين أنه من المرجح أن يتمكن الديمقراطيون من استعادة السيطرة على مجلس النواب، كما أن احتمال سيطرتهم على مجلس الشيوخ، رغم أنه أقل ترجيحاً، ليس مستبعداً تماماً.
ويشير النموذج الذي قدمته مجلة «الإيكونوميست»، رغم أن تقديراته تعود إلى بضعة أشهر مضت، إلى احتمال قوي للغاية لفوز الديمقراطيين بمجلس النواب، في حين لاتزال نتيجة انتخابات مجلس الشيوخ غير واضحة.
كما قامت شركتا «كوك» و«ساباتو»، وهما من أبرز المؤسسات المتخصصة في تقييم الحملات والسباقات الانتخابية في واشنطن، بتعديل توقعاتهما في أغسطس لمصلحة الديمقراطيين، بما في ذلك في ولايتَي آيوا، وتكساس.
وفي حال تمكّن الديمقراطيون من السيطرة على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، فمن المرجح أن يفرضوا عند مراجعة المساعدات الأمنية الموجهة إلى منطقة الأميركتين مجموعة من الشروط والمتطلبات، ومن بين ما يمكن توقعه في هذا السياق وضع قواعد واضحة تحكم المشاركة والانخراط في العمليات القتالية، وتعزيز الرقابة القضائية، وتوفير ضمانات أكثر صرامة لحماية حقوق الإنسان، بحيث لا يقتصر الإطار الأمني على الجانب العسكري وحده.
ومع ذلك، فإن هذه الشروط لا ينبغي النظر إليها باعتبارها عائقاً أمام المبادرة، وإنما بكونها جزءاً من طبيعة النظام السياسي الأميركي وآلية الحصول على الموارد والتمويل داخله، فالوصول إلى الموارد اللازمة لتنفيذ المبادرة يتطلب التعامل مع هذه المتطلبات وقبولها، بما يضمن وجود إطار قانوني ورقابي واضح إلى جانب التعاون العسكري والأمني. عن «إل باييس»
«مبعوثة خاصة»

كريستي نويم. رويترز
من المفارقات أن إعلان «درع الأميركتين»، شكّل في الوقت نفسه طوق نجاة لوزيرة الأمن الداخلي الأميركية السابقة، كريستي نويم، التي كان الرئيس دونالد ترامب قد أقالها على خلفية أخطاء ارتكبتها، وإنفاق وُصِف بأنه مفرط.
فقد جرى تعيينها فوراً «مبعوثة خاصة» لمبادرة «درع الأميركتين»، في منصب غامض، أُنشئ في اللحظة نفسها، وأصبح خاضعاً لإشراف وزارة الخارجية الأميركية.
• «التحالف» يضم دولاً تتقارب في ما بينها من الناحية الأيديولوجية، ولهذا السبب لا يضم البرازيل والمكسيك، رغم أن الأخيرة تُمثّل الطريق الرئيس الذي تدخل عبره المخدرات إلى الولايات المتحدة.
• كولومبيا تُعدّ القائد الطبيعي للتحالف في أميركا الجنوبية، كونها تمتلك خبرة طويلة في التعاون الأمني مع واشنطن.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news