خوفاً من تأثير اللوبي الإسرائيلي

المرشحون الديمقراطيون في أميركا يخشون انتقاد انتهاكات إسرائيل للحقوق الفلسطينية

صورة

أصبحت مواقف الناخبين الديمقراطيين في أميركا إزاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أكثر توازناً، خلال العقدين الماضيين. ويبدو أن المواقف المؤيدة للفلسطينيين في تزايد، في حين أن تلك المؤيدة لإسرائيل في تناقص. وعلى الرغم من أن وجهات نظر الديمقراطيين العامة بإسرائيل تظل إيجابية، فإن عدداً كبيراً منهم يعارض سياسات إسرائيل في بناء المستوطنات وانتهاك الحقوق الفلسطينية. وينظر معظم الديمقراطيين إلى رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، بصورة سلبية.

وأدت هذه التغيرات في المواقف إلى وقوع بعض المرشحين الديمقراطيين للرئاسة الأميركية في مأزق، خصوصاً الذين عملوا في الكونغرس، أو حكاماً للولايات الأميركية. وعلى الرغم من أنهم يدركون التغيرات في آراء قاعدتهم الانتخابية، فإنهم يعرفون جيداً أنه يجب عدم إثارة غضب المانحين من أنصار إسرائيل أو لوبي إسرائيل، اللذين يستطيعان إذا أرادا إفشال حملاتهم الانتخابية بوابل من الاحتجاجات.

واستناداً إلى هذه الخلفية، دعوني أقول إني شاهدت نتائج مشروع صحيفة نيويورك تايمز، الذي استمر لأشهر عدة، والذي تم خلاله إجراء مقابلات مع 21 شخصاً من الديمقراطيين الذين يرشحون أنفسهم لمنصب الرئاسة، حيث وجهت إليهم بعض الأسئلة المتعلقة بالسياسة الخارجية والمحلية، التي ستواجه الرئيس المقبل للولايات المتحدة. وكانت هناك أسئلة عدة عن أفغانستان والأسلحة الفردية، والرعاية الصحية، والهجرة، وعقوبة الإعدام.

وكان أكثر هذه الأسئلة إثارة للاهتمام يقول: «هل تعتقد أن إسرائيل ملتزمة بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان؟»، لأنه كان يكشف وبقوة عن مبادئ كل مرشح وفهمه واستعداده للتعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وكان من المقلق أن قلة من المرشحين أبدوا اهتمامهم بهذه القضية، باستثناءات بارزة من السيناتور بيرني ساندرز، والمحافظ بيتي بيتيغيغ، وعضوي الكونغرس إيريك سوالويل وسيث مولتون. وتعثر معظم المسؤولين المنتخبين مثل طلبة الثانوية، عندما يتعرضون لأسئلة امتحان لم يستعدوا له.

وقلة قليلة من استطاعوا إيجاد القوة الداخلية، للإشارة إلى أن إسرائيل في واقع الأمر كانت تنتهك حقوق الإنسان. وعمد معظم الذين أجابوا عن السؤال إلى المراوغة، حيث حاولوا الإشارة إلى التحديات التي تواجهها إسرائيل، أو محاولات إسرائيل تلبية معايير حقوق الإنسان، لكنها لم تتمكن من أداء الأفضل. وقلة من السيناتورات أمثال كمالا هاريس، ومايكل بينيت، ومحافظ نيويورك بل دو بلاسيو، وعضو الكونغرس جون ديلاني، هم الذين أشاروا فعلاً إلى أنهم يعتقدون أن إسرائيل تدعم حقوق الإنسان. وتحول البعض إلى توجيه انتقاد مريح لهما عن فشل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.

وإضافة إلى ذلك، فإن الذين قدموا إجابات مراوغة، تفيد بأن سجل إسرائيل كان أقل من المثالي في محاولتهم للخروج من مأزق انتقاد إسرائيل، قدموا إجابات مثل: «إسرائيل تحاول أن تفعل الصواب، لكنها في بعض الأحيان تفشل، وهي بحاجة إلى مساعدتنا»، وبخلاف القلة الذين ذكروا موضوع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، فشل معظمهم في ذكر أي انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان، التي تحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة. والديمقراطي الوحيد الذي تمكن من ذكر ذلك هو سيث مولتون، الذي ذكر دعمه المبكر لقانون يدعو إلى «عدم تزويد إسرائيل بالأسلحة والبضائع الأخرى، إذا لم تلتزم بمعايير إنسانية في تعاملها مع الأطفال الفلسطينيين في السجون».

وبينما يكافح هؤلاء بارتباك، وهم يحاولون، الخروج من التحدي الذي فرض عليهم، يمكن للمرء أن يرى وبوضوح حالة الارتباك التي يعانونها، وهم يفكرون بحاجتهم إلى تأكيد نياتهم المؤيدة لإسرائيل، مع الحاجة التي شعروا بها حديثاً، والمتمثلة بأن تكون لهم صلة بالمزاج المتغير للناخبين الديمقراطيين. وكان الوضع بالنسبة للعديد منهم كأنهم «ملعونون، إذا فعلوا، وملعونون إذا لم يفعلوا».

وكانت أجوبة معظم المشاركين في الاستطلاع متباينة بين: «إسرائيل هي حليفنا الأكثر أهمية»، إلى «إسرائيل هي دولة ديمقراطية ليبرالية»، وكلاهما يتهرب بصورة كلية من السؤال المطروح عليهم.

ويمكن للمرء قراءة التعليقات التي أدلى بها المشاركون في الاستطلاع، لكن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو مشاهدة وجوههم، وهم يكافحون من أجل الإجابة عن هذا السؤال المفرط في البساطة. وكان لديهم انزعاج واضح عند دعوتهم للحديث في موضوع يرغبون في تجنبه. وعندها يمكنك مشاهدتهم وهم يتلعثمون، وهم يحاولون تذكر النقاط التي يريدون قولها، والبحث عن شبكة نجاة لهم. وفي إحدى اللحظات، يمكنك رؤية الأضواء تلمع عندما يتذكرون الصيغة السحرية المعروفة بـ«حل الدولتين»، وبعد ذلك ودون وجود أي علاقة بالسؤال أو بما قالوه سابقاً، يتحولون فوراً إلى منطقتهم المريحة، ويبدؤون بالقول: «علينا بذل المزيد من أجل الضغط على الطرفين، من أجل التوصل إلى حل الدولتين، من خلال المفاوضات»، وبعد ذلك يظهرون ابتسامة على وجوههم، كأنهم يقولون لأنفسهم «يا إلهي هل تخلصت من تلك الورطة فعلاً؟!».

والأمر المقلق بشأن الجواب المتعلق بحل الدولتين، إضافة إلى حقيقة أنه ليست له علاقة بالسؤال المطروح، أن معظمهم تصرفوا وكأن مجرد القول إنهم يدعمون حل الدولتين يجعلهم في حل من الحاجة إلى قول أي شيء آخر، ولهذا السبب أرغب في الإشارة إليه هنا وهو «التهرب بحل الدولتين»، وكان الاستثناء البارز هنا هو عضو الكونغرس جوليان كاسترو، الذي اعترف بأن توسع المستوطنات يجعل هدف حل الدولتين أكثر «صعوبة».

وكانت عضو الكونغرس إليزابيث وارين الوقورة والرصينة عادة هي الأكثر تخييباً للآمال لعدم ردها على الأسئلة، بل اكتفت بالقول إنها تحث الإسرائيليين والفلسطينيين على «الذهاب إلى طاولة المفاوضات»، وبعد ذلك تتركهم وشأنهم يتفاوضون»، كأن ذلك لم يحدث مرات عدة، وكأن اليمينيين المتطرفين الذين يحكمون إسرائيل لم يفعلوا كل ما بوسعهم لتجنيب قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وخلاصة القول إن معظم الديمقراطيين الذين يرشحون أنفسهم للرئاسة الأميركية، لديهم طريق طويل يجب قطعه من أجل التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وسبب ذلك بسيط هو اللوبي الإسرائيلي. ونتيجة الانتشار الواسع للقوى، والسلطات المؤيدة لإسرائيل، اتخذ المسؤولون المنتخبون أسلوب «عدم الاقتراب» في التعامل مع قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وتعلم العديد منهم كيفية أن أي تصرف يخرج عن المألوف يمكن أن تكون عواقبه وخيمة، حيث سيتواصل رنين الهاتف في مكاتبهم، إضافة إلى رسائل «الإيميل» الغاضبة. والناتجة تكون عادة ما ادعوه «جهلاً جامحاً»، إذ يركزون على «القضايا الخاصة بهم»، والتي تساعدهم على الفوز في الانتخابات، ويتجاهلون تلك التي يمكن أن تسبب لهم المتاعب. وبناء عليه، فإنهم لا يكترثون بالسؤال الذي طرح عليهم وسبب لهم الإحراج.

ولكن هذا الوضع بدأ يتغير، إذ إن المواقف المتطورة للناخبين، خصوصاً الكتل الرئيسة للناخبين الديمقراطيين، وكذلك نتيجة ازدراء العديد من الديمقراطيين لسياسات نتنياهو، أو من مهرجان الحب بين ترامب ونتنياهو. وكل ذلك يشير إلى حقيقة أنها لن تكون المرة الأخيرة التي يتم فيها طرح أسئلة محرجة عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. لقد حان الوقت لأولئك الذين يأملون أن يقودونا لأخذ الوقت الكافي، للتعرف إلى هذه القضية التي أثارت غضب كل رئيس أميركي منذ 70 عاماً.

- معظم الديمقراطيين، الذين يرشحون أنفسهم

للرئاسة الأميركية، لديهم طريق طويل يجب قطعه،

من أجل التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

جيمس زغبي: رئيس ومؤسس المعهد العربي الأميركي.

 

طباعة